المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزء الثاني - منتديات المطاريد
بسم الله الرحمن الرحيم
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) "الزخرف"

منتديات المطاريد | الهجرة الى كندا | الهجرة الى استراليا

 



BBC NEWS

    آخر 10 مشاركات
    كبة البطاطس بالجبن
    (الكاتـب : dena ) (آخر مشاركة : islamid)
    نسألكم الدعاء لمريضة سرطان
    (الكاتـب : kokomen ) (آخر مشاركة : حشيش)

    العودة   منتديات المطاريد > تاريخ مصر والعالم > تاريخ مصر > تاريخ مصر الحديث > شهود على العصر

    شهود على العصر

    المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزء الثاني


    الهجرة إلى كندا والولايات المتحدة واستراليا

    مواقع هامة وإعلانات نصية

    إضافة رد
     
    أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
    قديم 18th October 2008, 02:21 PM د. يحي الشاعر غير متواجد حالياً
      رقم المشاركة : 1
    شاهد على العصر
     






    د. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond repute

    افتراضي المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزء الثاني

    أنا : د. يحي الشاعر




    المقالات المحجوبة للأستاذ محمد حسنين هيكل كاملة - الحزء الثاني
    Contributed by زائر on 19-10-1429 هـ
    Topic: محمد حسنين هيكل

    اقتباس

    المقال الثانى

    أسباب التأييد وأسباب الصمت


    تمهيد

    كل نظام جديد - في أي وطن من الأوطان - يطلب لنفسه، وتقبل منه جماهيره «فترة سماح» تتيح له فرصة الإمساك بالخطوط، وإعادة التقدير واستكشاف البدائل، والتخطيط للمسؤولية، ومن ثم يبدأ وفاؤه بما تعلق به من آمال، هي في الواقع نوع من «الرهان» علي المستقبل.

    وتختلف فترة السماح من وطن إلي آخر وفق ظروفه، ففي الولايات المتحدة مثلاً - وفي أوروبا كذلك - تكون «فترة السماح» لأي نظام أو أي رئيس هي «الأيام المائة الأولي»، وبعدها - وليس قبلها - يبدأ الناس في السؤال عن: ماذا؟ - كيف؟ - ومتي؟

    وفي العالم الثالث فإن فترة السماح تمتد في الغالب - سنة - خصوصًا إذا كان العهد الجديد قد وصل إلي مواقع الحكم من خلال مفاجآت وتقلصات غير عادية، بحيث يصبح عدلاً أن تطول فترة السماح.

    وكان هذا المقال - الثاني - في هذه المجموعة من ستة - بعد سنة كاملة من رئاسة «حسني مبارك»، وبداية للسؤال عن: ماذا؟ - كيف؟ - ومتي؟

    نوفمبر ١٩٨٢


    سيادة الرئيس:

    في جزء سبق من هذه الرسالة التي أتوجه بها إليكم بعد عام من تأييد طوعي لكم، ثم صمت ألزمت به نفسي ولم يلزمني به أحد - عددت أمامكم دوافعي للموقفين:

    * ما كان - أو لم يكن - من أسبابي للصمت.

    * ما كان - ولا يزال - من أسبابي للتأييد.

    وكنت قد فرغت من عرض أسباب الصمت، ثم انتقلت إلي أسباب التأييد، وعددت منها اثنين:

    * أولهما: سجلك في الخدمة العامة، وملخصه بواقع الملف السري لخدمتكم: «وطني، كفء، لديه ملكة القيادة» - ثم تأكيد ذلك بمتابعة لدورك في أكتوبر ١٩٧٣ - وبالتحديد لدور الطيران.

    * وثانيهما: أنك لست مدينًا لأحد، و«أنهم أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون». وكان دليلي علي ذلك قولكم لنا يوم خروجنا من الأسر إلي القصر: «أريد فتح صفحة جديدة في تاريخ مصر، أريد حوارًا مفتوحًا مع كل القوي الوطنية، أعطوني وقتًا لأفكر في خياراتي».

    كانت هذه العبارات صدي عائدًا لما سمعه الشعب منكم، حين تقدمتم إليه تطلبون ثقته. وكنا نحن لا نزال وراء القضبان. ثم سمعنا منكم مباشرة ما سمعه الشعب قبلنا، وكما فهمت جموعه، فهمنا. وكان معني القول - والصدي - ببساطة أنكم بحس وطني مرهف تقدمون أنفسكم لشعبكم بهويتكم المستقلة، أول عهد وليس بقية عهد، ووصلت الإشارة والبشارة إلي الكل، وجاءوا جميعًا إليكم مطمئنين وراضين.

    * * *

    وفي هذا الجزء من هذه الرسالة - التي أستميحكم العذر في استرسالاتها واستطراداتها - فلقد كان المفروض - يا سيادة الرئيس - أن أستكمل بقية أسبابي لتأييدكم، وسوف أفعل.

    لكن سؤالاً اعتراضيا يستوقفني، ولعله يستوقف غيري، وربما كان الأفضل أن أفرغ منه لينفسح الطريق إلي بقية الحديث.

    السؤال الاعتراضي يقول:

    «ولماذا التوجه بالحديث إليكم مباشرة؟».

    وردي عليه مباشرة:

    «ولمن غيركم نتوجه بالحديث؟».

    وهذه - يا سيادة الرئيس - ليست صيغة مجاملة، وإنما محاولة لصياغة الحقيقة التي ينبغي أن نواجهها كما هي، وبدون تفلت للهرب منها سواء بالتجاهل أو بالتزويق!

    وتساوي هذه الحقيقة أن أقف أمامها بما هو أكثر من صياغة عامة تحتويها جملة واحدة قلت فيها: «ولمن غيركم نتوجه بالحديث؟».

    وإذا أذنتم لي بهذه الوقفة - يا سيادة الرئيس - فإني أفصل الأمر علي الوجه التالي:

    - ١ -

    في معظم بلدان العالم الثالث - وفي المرحلة الراهنة من تطورها الاقتصادي والاجتماعي، ومن ثم السياسي - فإن السلطة مؤسسة واحدة، هي رئاسة الدولة.

    ولهذه المؤسسة الواحدة أدوات، كما أن من حولها قوي ومجموعات وتيارات.

    - والأدوات تتمثل أساسًا في الجهاز الرسمي للحكم بفروعه المختلفة، ابتداء من حامل بندقية الأمن إلي حامل دفتر تحصيل الضرائب.

    - وأما القوي والمجموعات والتيارات، فخليط يتفاعل مع بعضه، وحركة هذا التفاعل والفاعلية النسبية لأطرافه - هي التي تخلق المناخ العام الذي يجري فيه العمل الوطني في أي بلد من البلدان.

    * وبصفة عامة فإن القوي عادة - هم أصحاب المصالح القائمة في المجتمع.

    * وبصفة عامة أيضًا فإن المجموعات عادة - هي مشروعات (أو محاولات أو طموحات) تتصدي للمصالح القائمة.

    * وبصفة عامة أخيرًا فإن التيارات عادة - هي شحنات الفكر المتلفتة إلي كل اتجاه، تفتش وتبحث عن مثال، وتشد معها إلي التفتيش والبحث جماهير يشكل اتجاهها مع هذا التيار أو ذلك ما يمكن تسميته بـ: «الإحساس العام». ولا أتجاسر - علي الواقع - فأسميه «الرأي العام»، لأن «الرأي العام» - في البلدان التي تسمح الظروف بظهوره وبتأثيره فيها - يستطيع أن يفرض، وأما «الإحساس العام» فإن أقصي ما يستطيع بلوغه أن يعارض - بمعني أدق يعرقل.

    إن حركة التفاعل بين هذه العناصر كلها: مؤسسة الرئاسة الوحيدة، وأجهزة هذه المؤسسة، ثم خليط القوي والمجموعات والتيارات - حركة بالغة التعقيد في أوطان خرجت بالكاد من عصور التبعية تبحث لنفسها عن مكان في عالم أشبه ما يكون ببحور الظلمات التي تتحدث عنها حكايات السندباد.

    وفي تحديد مواضع هذا الخليط علي الساحة، فإنه يمكن القول بشكل إجمالي ما يلي:

    * القوي (أصحاب المصالح القائمة) - وهم باستمرار قرب السلطة لا يطيقون بعادًا عنها، لأن قربهم ضمان مصالحهم، وقربهم في نفس الوقت تسهيل تأثيرهم.

    ورغبتهم في القرب تجعلهم علي استعداد باستمرار، وجاهزين طول الوقت لما يطلب منهم، لأنه المقدمة المنطقية لما يمكن لهم - بدورهم - أن يطلبوه.

    * والمجموعات (مشروعات أو محاولات أو طموحات التصدي للمصالح القائمة) - فإن أطرافها في موقف مركب، فهم مع السلطة في حركة جدل لا ينقطع، يريدون عرض مطالبهم أمامها باستمرار ويحاولون إقناعها بأنهم وإن كانوا في هذه اللحظة مجموعات إلا أنهم بحركة التاريخ أقرب إلي تمثيل المجموع.

    وهم يعتبون أحيانًا، وربما يغضبون، لكنهم تحت كل الظروف لا يسمحون - ولا يقدرون علي السماح - بقطيعة بينهم وبين السلطة، فذلك أكثر مما يحتملون وأكثر مما تحتمل الظروف.

    * وأما التيارات (شحنات الفكر المتلفتة في كل اتجاه تشد معها «الإحساس العام») - فإن أصحابها بالتأكيد في الموقف الأصعب. لأنهم ليسوا ضد السلطة بالضرورة،

    ثم إنهم ليسوا معها بالضرورة، بل هم معها في علاقة شد وجذب، هو نفسه حركة الصراع بين المصالح القائمة وبين المطلوب المشروع. وأهميتهم ليست فقط في أنهم العنصر المؤثر علي اتجاهات «الإحساس العام»، وإنما هم أيضًا - مع اختلاف الاتجاهات - أكثر العناصر تأثيرًا في حركة المجموعات (مشروعات أو محاولات أو طموحات التصدي للمصالح القائمة).

    هذه هي ملامح الصورة السياسية العامة في معظم بلدان العالم الثالث - يا سيادة الرئيس - بدايتها أننا أمام مؤسسة قوية واحدة، وسلطة فعلية واحدة - هي مؤسسة وسلطة الرئاسة، وبالطبع فإن هذا الوضع ليس أبديا، وإنما هو وضع يتأثر كل يوم بحركة التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في أي بلد من البلدان.

    وعلي وجه اليقين فإنه سوف تبرز أكثر في المستقبل، ومن داخل هذا الخليط، طبقات واضحة التكوين، بحيث يصبح لكل من هذه الطبقات تعبيرها السياسي عن نفسها وبالطبع عن مصالحها، ثم تتمكن هذه التعبيرات السياسية من أن تقيم مؤسسات للشرعية الدستورية والقانونية، تحل محل شرعية المؤسسة الواحدة.

    - ٢ -

    وفي ظروف مصر - يا سيادة الرئيس - زيادة علي ما في ظروف غيرها من بلدان العالم الثالث - تكرست سلطة المؤسسة الواحدة، بل سلطة الرجل الواحد.

    كان المجتمع المصري - منذ خمسة آلاف سنة - علي شكل الهرم، ولم يكن الهرم في الوجدان المصري مجرد شكل هندسي أو تكوين معماري، وإنما كان الهرم تصورًا أو تصويرًا لأوضاع المجتمع.

    «الملك الإله» علي القمة - وكبار الأمراء وكبار الكهنة وكبار القواد وكبار الموظفين، وكلهم المسؤولون عن النيل والأرض والبركات(!) طبقة تحته - والمهندسون والإداريون والفنيون طبقة ثالثة تحت الطبقة الثانية - وتحت هؤلاء جميعًا قاعدة الهرم الضخمة، وفيها جموع المنتجين من الزُّراع والصُّناع - حياتهم علي النيل والأرض، وولاؤهم مضمون: بهيبة الملك الإله، وطقوس كبار الكهنة، وسلطة الحكام من كبار القواد والموظفين.

    وقد قام هذا الهرم في مصر الفرعونية واستمر بعدها. والغريب - يا سيادة الرئيس - أن كل محاولات تحدي هذا الهرم لم تنجح إلي الآن، ولا بالثورة. وربما كانت الأزمة الحقيقية لمصر «الثورية» أن هذا الهرم بقي علي شكله العام رغم الحركة العنيفة صعودًا وهبوطًا علي درجاته، ورغم الصلة المباشرة التي تحققت في بعض الأوقات بين قمته وبين القاعدة.

    ولعل تلك الحركة العنيفة كانت محاولة لاستباق التطور، ما لبثت سطوة الحقيقة - بصرف النظر عن حركة التاريخ - أن اعترضت سبيلها وأعادت الأمور إلي سيرتها الأولي، خصوصًا بعد أن ساعدت طوارئ الأحداث في المنطقة وفي العالم من حول مصر علي التواصل المباشر - حتي بوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بين قمة الهرم وبين قاعدته.

    وهكذا فإنه إذا كانت للسلطة في معظم بلدان العالم الثالث مؤسسة واحدة هي سلطة الرئاسة - فإن مصر علي وجه التحديد، تواجه المعضلة مضاعفة مرتين:

    - مرة بظروف مراحل التطور التاريخي العام للشعوب والأمم.

    - ومرة ثانية بخصوصية التاريخ المصري وطبائعه.

    وإذا اتفقنا - يا سيادة الرئيس - علي أنها مؤسسة حقيقية واحدة، وسلطة فعلية واحدة، إذن فلمن غيرها نتوجه بالحديث؟

    ولكي أكون صريحًا دون أن أتجاوز الحد أو الحق، فإني أعترف أنني لم أكن متحمسًا لتوجيه الحديث إلي غير مؤسسة الرئاسة، لأن الحديث مع غيرها في رأيي يعود بنا إلي أيام الإمبراطورية القديمة في اليابان، حين كان الأمراء يتلقون العلم في إحدي قاعات القصر،

    ويجلسون وبجوار كل منهم واحد من أبناء عامة الناس، ويدخل المعلم إلي القاعة الملكية فلا ينظر إلي أبناء الأمراء ولا يلفت انتباه أحد منهم ولا يوجه نحوه لومًا بكلمة،

    وإنما يوجه ملاحظاته - ولومه - وعقابه - إلي الفتي الجالس بجوار الأمير من أبناء الشعب، وليفهم الأمير ما يفهم وينتبه إلي ما يحلو له أن ينتبه إليه، لأنه في كل الأحوال محصَّن فوق التوجيه بالكلمة أو النظرة - فضلاً عن العقاب!

    ولكي أكون منصفًا، فإن مصر الحديثة شهدت فترة سماح عابرة تواجدت فيها علي قمة الهرم المصري سلطتان، وتلك هي فترة ثنائية السلطة بين القصر الملكي (شكليا)، وبين الاحتلال البريطاني (واقعيا).

    وإذا أخذنا بداية تاريخ مصر الحديث بمحمد علي، فقد كان «محمد علي» وحده علي قمة الهرم، ولي النعم، وذلك وصف جديد للملك الإله.

    وإذا أخذنا بداية تاريخ مصر الحديث بالاحتلال البريطاني، فقد كان «كرومر» وحده علي قمة الهرم معتمدًا ساميا، ومن اللورد «كرومر» (المعتمد البريطاني في مصر أواخر القرن التاسع عشر)، وحتي اللورد «كيلرن» (المندوب السامي البريطاني حتي أواسط القرن العشرين) لم تتغير الصورة شكلاً وواقعًا. وفي كل الأحوال فقد انتهت هذه الثنائية بسقوط الملكية، وإنهاء الاحتلال بعد الثورة المصرية سنة ١٩٥٢.

    وبانتهاء هذه الثنائية تأكدت مرة أخري - شكلاً وواقعًا - قاعدة المؤسسة الواحدة والسلطة الواحدة علي قمة الهرم المصري: ظروف التطور في العالم الثالث تزكيها - وخصوصية التاريخ المصري تؤكدها!

    هكذا كان عصر «جمال عبدالناصر»، وهكذا كان عصر «أنور السادات» بعده.

    ولقد أزعم - يا سيادة الرئيس - ومن منظور رؤيتي، وقد يكون صواباً أو خطأ ما أراه، أن مؤسسة الرئاسة وسلطتها في عصر «جمال عبدالناصر» كانت لها استجابة معينة لاتجاه التاريخ وضروراته وتدفقه المتحرك دوما.

    وبنفس المنطق فإن مؤسسة الرئاسة وسلطتها في عصر «أنور السادات» كانت لها استجابة أخري للتاريخ، لكنه في الحالتين - في العصرين - لم تكن هناك غير مؤسسة واحدة وسلطة واحدة، وكل ما عدا ذلك من أشكال وأدوات وحتي واجهات.

    وبالطبع فإن كليهما - «عبدالناصر» أو «السادات» - لم يمارس سلطته في فراغ، وإنما مارس هذه السلطة في واقع رآه، وعلي ضوء تحليل للعالم الواسع قدّره، وفي مساحة حوله لها تفاعلاتها الجارية في المجتمع بين القوي الممثلة لأصحاب المصالح القائمة، والمجموعات الممثلة للمشروعات «النشطة» والتيارات المتأثرة والمؤثرة في نفس الوقت.

    ومع ذلك فهي في نهاية المطاف مؤسسة واحدة وسلطة واحدة، ومنها يصدر القرار، ومن القمة ينزل إلي ما تحتها.

    قاعدة لم تتغير مهما كان نوع القرار، سواء كان اختيار رجل لمهمة، أو تحديد مسار اجتماعي، أو سياسي أو دولي.

    * وعلي سبيل المثال فإن رجلا فاضلا في حد ذاته وكفئاً - كالمهندس «صدقي سليمان» - أصبح رئيسا للوزراء في عصر «عبدالناصر» باختيار شخصي منه، مع ملاحظة أن «صدقي» لم تكن له سابقة عمل سياسي، وإنما كانت له تجربة تنفيذية هي الإشراف علي بناء السد العالي، وبعدها اختاره «جمال عبدالناصر» ليرأس الوزارة. وفي صميم الموضوع فإن «صدقي سليمان» لم يكن يمثل - سياسيا - ما هو أكثر من الاختيار الشخصي لجمال عبدالناصر.

    وعلي سبيل المثال أيضا فإن رجلا مؤتمنا وموثوقا - كالسيد «ممدوح سالم» - أصبح رئيسا للوزراء في عصر «أنور السادات» باختيار شخصي منه، ولم تكن لممدوح سالم - هو الآخر - سابقة عمل سياسي - وإنما كانت له تجربة مطمئنة في مجال حفظ الأمن، واختاره «أنور السادات» ولم يكن «ممدوح سالم» يمثل - سياسيا - ما هو أكثر من الاختيار الشخصي لأنور السادات.

    والقياس سليم بعد ذلك إلي آخر المطاف.

    وإذا تركنا مجال اختيار الرجال للمهام، وانتقلنا إلي مجال تحديد المسارات الاجتماعية أو السياسية أو التنفيذية، فإن نفس القاعدة تظل سارية المفعول.

    كان تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والتوجه القومي العربي والتحول الاشتراكي، وصيغة تحالف قوي الشعب العامل - اختيارات لجمال عبدالناصر من واقع رؤيته.

    وكانت قرارات أكتوبر ١٩٧٣، والتوجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية والصلح مع إسرائيل، وسياسة الانفتاح - اختيارات لأنور السادات ومن واقع رؤيته.

    ويلفت النظر - يا سيادة الرئيس - أن الأدوات التي نفذت هذه السياسات والقرارات المتباينة، كانت نفس الأدوات، أي أجهزة السلطة.

    ويلفت النظر أكثر - يا سيادة الرئيس - أن التنظيمات الواجهات التي قامت علي تنفيذ هذه السياسات وتولت مسؤولية القرارات المتباينة لها - نفس التنظيمات تقريبا، بل نفس الوجوه حصرا - لأن غالبية الذين كانوا في صفوف الاتحاد الاشتراكي هم الذين انتقلوا منه إلي صفوف حزب مصر، وهم الذين انتقلوا منه إلي صفوف الحزب الوطني، والسبب واضح، فقد كانوا هم ممثلي القوي «أصحاب المصالح القائمة» القريبين من كل سلطة - أي سلطة - بحكم الحرص علي حماية المصالح، والرغبة في التأثير إلي أقصي الممكن.

    وأليس ملفتا للنظر أكثر من ذلك أنه حتي أحزاب المعارضة وقتها «وحتي الآن» بدأت وجودها ونشاطها بقرار رئاسي؟

    لقد كان الرئيس «السادات» هو صاحب قرار المنابر، بل اختار لهذه المنابر - اليمين والوسط واليسار - رؤساءها. وكان هو أيضا صاحب قرار تحويل المنابر إلي أحزاب وبنفس الرؤساء الذين اختارهم، وليكن أن التجربة العملية طورت الممارسات - فإن ذلك لا يغير نسب الأبوة ولا شهادة الميلاد!

    ماذا أقول - يا سيادة الرئيس - هل أقول إنه حتي القانون نفسه أصبح قرارا واختيارا: قانون «حل الأحزاب» في عصر «عبدالناصر» - «إنشاء المنابر» في عصر «أنور السادات» - مجرد مثالين!
    __________________


    ٣ ـ

    وأكثر من ذلك - يا سيادة الرئيس - فإنكم جئتم إلي مؤسسة الرئاسة بعد مأساة في تاريخ مصر لم يسبق لها مثيل، فلقد كانت تلك هي المرة الأولي في التاريخ التي قام فيها واحد من أفراد الشعب المصري عند القاعدة، بقتل الملك الإله الجالس علي قمة الهرم.

    ولقد يختلف الناس من هنا وإلي الأبد في تفسير وتعليل تلك المأساة غير المسبوقة في تاريخ مصر:

    * قد يري البعض أن ما جري كان كارثة شباب، جرفه التطرف إلي العنف، وقاده العنف إلي القتل، ومن ثم فهي حادثة وليست حدثاً.

    * وقد يري البعض أن ما جري كان مأزق رئيس خانه حلفاؤه أو خانته سياساته، ومن ثم فقد دفع حياته ثمناً للذين خانوه!

    * وقد يري البعض أن ما جري كان إعلاناً بفشل سياسات قمع وصلت إلي طريق مسدود، ولم يبق سبيل لفتحه غير العنف، ومن ثم فإن القضية أكبر وأخطر.

    إن التفسيرات مهمة - يا سيادة الرئيس - لأن اختلافها يعكس تبايناً وتضارباً ورؤي.

    هناك من يريحهم النظر إلي الحدث علي أنه حادثة، يعالجها البوليس - وبعده التحقيقات والأحكام وتنفيذ الأحكام.

    وأرجح الظنون أن تلك رؤية قاصرة للتاريخ، لم تتعلم من تجاربه، ولهذا حكم عليها بأن تعيش نفس التجارب مرة أخري. لم تتعلم من حريق القاهرة في يناير ١٩٥٢، فحكم عليها أن تراه مكرراً في أحداث يناير ١٩٧٧. ولم تتعلم من أحداث يناير فعاشتها مكثفة علي المنصة في أكتروبر ١٩٨١م.

    والغالب أن أصحاب هذه الرؤية هم في العادة القوي صاحبة المصالح القائمة، يناسب أحلامهم، أو لعلها أوهامهم - أن مواقف الخطر الكبري، مجرد كوابيس أطبقت عليهم في الليل، فإذا طلع النهار كان خيراً أن ينسوها وأن ينصرفوا إلي ما يهمهم، خصوصاً ذلك السباق الكبير الذي يرمحون فيه دون أن يسألوا أنفسهم ذلك السؤال البسيط: إلي أين بالضبط؟

    إن التفسير البوليسي للتاريخ وأحداثه سهل، والمنطق الذي يغري به ينسجم مع الهوي - لكن الركون إلي مثل هذا التفسير - كما تعلمنا التجارب - أقرب منزلق إلي الهاوية.

    وعلي أي حال، فإنه مهما اختلفت التفسيرات، فإن الظاهرة التي لا تحتمل خلافاً هي أن الشعب المصري فتح لكم قلبه من أول ثانية، وصنع لكم بخياله وبآماله صورة علقها علي مستقبله، أو لعله علق مستقبله عليها.

    ففي لحظة من التاريخ مشحونة بالخطر معبأة بالقلق - أعطاكم الشعب المصري تفويضاً لم يحقق انتقال السلطة فقط، وإنما أضاف إلي انتقال السلطة بسهولة - شرعية استعمالها بسرعة.

    وعملياً فإن انتقال السلطة تم بواسطة جهاز الدولة - وفيه القوات المسلحة للدولة - ذلك أنه عندما انجلي الغبار والدخان عن المنصة، فقد ظهر أنه يواصل دقاته بانتظام - وعليه فإن عملية انتقال السلطة أصبحت تحصيل حاصل.

    ولم يكن عدد الأصوات في صناديق الاستفتاء هو الذي أسبغ الشرعية علي عملية انتقال السلطة - فكم شهدت مصر من استفتاءات، وإنما كان الجو العام الذي جري فيه الاستفتاء - جو الرغبات والآمال - هو المصدر الأكبر للشرعية، والسند القوي لهذه الشرعية.

    هكذا أصبحت في أيديكم سلطة القرار والاختيار. فإذا كان هناك رجال مكلفون بمهام - فالقرار عنكم والاختيار منكم. وإذا كان هناك تحديد لمسارات سياسية أو اجتماعية أو دولية - فالقرار أيضاً من عندكم والاختيار أيضاً.

    * * *

    يظل هناك سبب آخر - غير كل أسباب الموضوع في توجيه الحديث لكم وليس لغيركم - وهو الشكل. والشكل في بعض الأحيان حقيقة لها قوة الموضوع تماماً، وذلك أننا تحت نظام رئاسي، ولسنا تحت نظام ملكي، أي أننا لسنا في مواجهة «الحكومة المخلصة لصاحب الجلالة الملك» أو «المعارضة الوفية لصاحب الجلالة الملك»، وإنما نظامنا علي نحو ما رئاسي (وأقول علي نحو ما لأن الرئاسة عندنا التبست بمظاهر سلطانية لا لزوم لها).

    وعلي سبيل المثال، ففي الولايات المتحدة الأمريكية - والحكم فيها رئاسي - يتحدث الناس عن السياسة الاقتصادية لـ: «رونالد ريجان»، وعن السياسة الخارجية لرونالد ريجان، بل وعن مشروع «ريجان» لحل أزمة الشرق الأوسط.

    و«ريجان» هو الذي تُقاس شعبيته كل أسبوع باستفتاءات الرأي العام وليس وزراؤه، حتي إن كانوا هم الذين يشيرون عليه بسياساته الاقتصادية أو الخارجية، أو مشروعاته لحل أزمة الشرق الأوسط أو غيرها من الأزمات.

    ومع أن النظام الرئاسي في الولايات المتحدة محفوف ومحصن بموازين وضوابط - وضعتها تجربة ديمقراطية تستحق الإعجاب والاحترام - إلا أن الرئيس يبقي هو المسؤول الأول ويظل الآخرون في السلطة مجرد مساعدين له، يتحملون المسؤولية أمامه (وأمام الكونجرس في بعض الحالات)، لكن الرئيس هو رمز السلطة، وقمة النظام، وعليه المسؤولية - كاملة - أمام الشعب.

    وإذا كان ذلك كله صحيحاً - يا سيادة الرئيس - وأظن أنه صحيح - إذن فلمن غيرك نتوجه بالحديث؟

    هي إذن وزارتك - وهو حزبك - وهي مجالسك للشعب وللشوري.

    وقد يكون علي رأسها جميعاً أساتذة أجلاء في الطب والقانون والجغرافيا، ورجال ونساء لهم نصيب في العمل العام - لكنهم جميعاً في النهاية لا يمثلون سياسياً إلا ما أعطيتهم من سلطة وما كلفتهم من أمر.

    بمعني أن جميع الأشكال - وما وراءها - تستمد بقاءها من التفويض الذي أعطي لك ولم يعط لسواك، وعليه فكل ما ينشأ بعد ذلك قرارك واختيارك، سواء كان القرار أو الخيار مؤقتاً لدواعي الاستمرار، أو باقياً بدعوي الاستقرار.

    تلك محاولتي للإجابة عن سؤال اعتراضي سألته لنفسي وربما يسألني فيه غيري، وقد طالت إجابتي عنه، ولكنها كانت ضرورية.

    والآن وبعد أن فرغت منها - وجب أن أعود إلي موضوعي الأصلي، وهو بقية أسبابي في تأييدك، واستمرار هذا التأييد باقياً حتي هذه اللحظة.

    * * *

    لقد عددت - يا سيادة الرئيس - سببين من أسبابي في تأييدك أكررهما تذكيراً وجسراً لاتصال الحديث:

    ١- سجلك في الخدمة العامة.

    ٢- حقيقة أنك لست مديناً لأحد.

    وأصل إلي السبب الثالث من أسبابي في تأييدك - يا سيادة الرئيس.

    هذا السبب الثالث هو أنني أعرف - لسوء الحظ - شيئاً عن حقائق الأوضاع التي آلت إليكم شؤونها وشجونها، أعرف حقيقة التركة التي ورثتموها وأصبحت أمانة. عليكم مسؤوليتها أمام التاريخ والناس.

    إن تعبير «التركة» - كما تذكرون - مُستعار من قاموس الرئيس «السادات».

    وكان - يرحمه الله - كثيراً ما يردد القول بأنه ورث عن «عبدالناصر» تركة ثقيلة - ولعلكم تأذنون لي أن أختلف معه - ولقد اختلفت معه في حياته وسلطته، ولم أنتظر الموت والقبر لكي يحررا عقدة لساني.

    ما سوف أقوله الآن قلته وكتبته ونشرته والرئيس «السادات» علي القمة وفي يده القرار والخيار، بل إنني سجلت بعضه في وثيقة رسمية هي محاضر التحقيق الذي أجراه المدعي الاشتراكي معي حين أحلت إليه سنة ١٩٧٨،

    وقد نشرت محاضر هذا التحقيق كاملاً في كتاب عنوانه «وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي» وكان ذلك سنة ١٩٧٩، والرئيس «السادات» علي قمة السلطة، وملء السمع والبصر.

    ولقد كان ما قلته - قبل وأثناء وبعد التحقيق - هو الذي انتهي بي إلي السجن. ولعلي من هنا لا أشعر أنني أتجني أو أتطاول علي رجل أو علي ذكري.ـ إذا عدت أكرره الآن.

    إن الرئيس «السادات» ورث عن «جمال عبدالناصر» منجزات داخلية كبيرة بينها تأميم السويس، وبناء السد العالي، وإقامة قطاع عام صناعي ضخم وقادر، وإجراء تحولات اجتماعية بالغة الأثر، إلي جانب سياسة عربية ودولية وضعت مصر في مكانها اللائق في قلب الأمة ووسط العالم،

    علي أنه من الإنصاف أن يقال - في نفس الوقت - إن «أنور السادات» ورث عن «جمال عبدالناصر» نتائج معركة قاسية سنة ١٩٦٧، وضرورة معركة قادمة، وأن ذلك كان أثقل البنود في تركة «عبدالناصر» وأخطر السلبيات في تجربته.

    وأتذكر - يا سيادة الرئيس - أنني لخصت رأيي في سلبيات التجربة الناصرية، وكان «جمال عبدالناصر» لايزال بيننا وعلي القمة - في نقطتين:

    ـ استعمال السلطة بأكثر مما هو ضروري في الداخل.

    ـ واستعمال القوة بأكثر مما هو مناسب في الخارج.

    وعليه فقد كان رأيي - ولايزال - أن التجربة الناصرية تأخرت في حل مشكلة الحرية السياسية في وطنها، ثم إنها تسرعت في الدخول إلي مصيدة الحرب في ظروف غير ملائمة.

    علي أن الإنصاف يقتضي وضع نكسة سنة ١٩٦٧، في حدودها دون تعميم يريد أصحابه ترسيخ الشعور بالهزيمة إلي أعماق الأعماق، وحتي تفقد مصر وتفقد الأمة إيمانها بنفسها وقدرتها، مع أنه لا يصح لأحد أن يتهاون في مسؤولية ما جري سنة ١٩٦٧ - ولا حتي أن يحولها إلي نهاية لكل شيء في ثورة يوليو ١٩٥٢، إلا أن كل مرحلة تاريخية تجربة لها سلبياتها ولها إيجابياتها، وكانت محنة سنة ١٩٦٧ هزيمة معركة ضمن حرب مستمرة، لكن الإرادة المصرية لم تستسلم بعدها،

    وإنما واصلت القتال، ونُفِّذَت تحت قيادة «أنور السادات» سنة ١٩٧٣، خطة صدَّق عليها «جمال عبدالناصر» سنة ١٩٧٠، باسم «جرانيت رقم (١)»، والمدهش أن الصراع ظل متصلاً - برغم كل حكايات السلام - وأقرب شاهد علي ذلك تصريحات لها معناها ومغزاها صدرت أخيراً عن المشير «عبدالحليم أبوغزالة».

    وهكذا فإن فصل سنة ١٩٦٧ - كان حلقة من سلسلة، وموجة من موجات، وجزءاً من أعباء مسؤولية تتصل اتصالاً وثيقاً بمقادير مصر.

    وفي إطار تركة «عبدالناصر»، فقد كان وضع مصر الاقتصادي وبرغم كل الأعباء - متماسكاً.

    بل إنه برغم النكسة في معارك سنة ١٩٦٧ - فإن اقتصاد مصر ظل قادراً علي تحمل ثلاث مسؤوليات اجتماعية وسياسية واقتصادية متوازية وفي نفس الوقت:

    ١ - إعادة تسليح الجيش للحرب المستمرة واستعداداً للتحرير.

    ٢ - إتمام بناء مشروعات ثلاثة ضخمة (السد العالي - مجمع الحديد والصلب - مجمع الألمنيوم).

    ٣ - تثبيت الأسعار لكي تكون الحياة محتملة بالنسبة للسواد الأعظم من الناس.

    ولم تكن مصر تحصل علي معونات عربية غير دعم الخرطوم المحدود بعد سنة ١٩٦٧.

    ولم تكن مصر تنتظر مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة، بل إنها علي العكس كانت رهن قيود وصلت أحياناً إلي درجة الحصار، وكانت مصر أبعد ما تكون عن تلك التسهيلات المالية الهائلة التي جاءتها - لاحقاً - من قريب ومن بعيد!

    ومع ذلك فقد كانت ديون مصر الخارجية المدنية والعسكرية جميعها - ومعظمها للاتحاد السوفيتي - في حدود ثلاثة بلايين دولار، تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    وحتي بعد حرب أكتوبر، فإن الموقف الاقتصادي ظل معقولاً، ويشهد بذلك التقرير الكبير الذي كتبه الدكتور «عبدالعزيز حجازي» رئيس الوزراء في مارس سنة ١٩٧٥، وهو تقرير أعطاه لي الرئيس «السادات» دون أن يقرأه، وقد قرأته، ومازلت أحتفظ به، وهو تحت تصرفكم إذا شئتم أبعث به إليكم.

    ولم تكن مصر مستعمرة سوفيتية - يا سيادة الرئيس - كما يزعم بعض ذوي الهوي.

    كان في يد مصر سلاح سوفيتي هي التي أرادته وسعت إليه، وكان عندها خبراء من الاتحاد السوفيتي هي التي وظَّفتهم لخدمة معركتها مع إسرائيل - وهؤلاء الخبراء السوفيت لم يتدخلوا في غير نطاق عملهم، وهذه شهادة لله وحده، وربما تجاوز واحد منهم أو تجاوز اثنان - لكن مصر كانت دائماً في وضع يسمح لها بأن تقول لمن تشاء منهم: «اذهب»، ثم لا يكون أمامه إلا الذهاب.

    ولقد أستأذنكم - يا سيادة الرئيس - في تذكير هؤلاء الذين يتحدثون عن مصر المستعمرة السوفيتية، بأن الزيادة الكبيرة التي طرأت علي أعداد الخبراء السوفيت بعد يناير ١٩٧٠ كانت بطلب منا، فقد حملناهم مسؤولية الدفاع عن العمق المصري، في وقت كانت قوات الدفاع الجوي المصري تركز جهدها بالكامل علي حماية الجبهة العسكرية،

    وكان ذلك ترتيباً مؤقتاً لاجتياز عنق الزجاجة، ففي ذلك الوقت - وأنتم خير من يعرف - كانت لدينا أعداد هائلة من الشباب يتدربون في الاتحاد السوفيتي علي أنواع جديدة من الطائرات والصواريخ المتطورة - وحتي يعود هؤلاء ويتحملوا مسؤولياتهم في عمق الوطن - فقد قبل السوفيت أن يتولوا مهمة حماية العمق فترة «عنق الزجاجة».

    وأليس محزناً أن نشهِّر بهم لهذا الذي فعلوه معنا في لحظة حرجة كانت إسرائيل فيها - وبالطائرة الفانتوم - تنفذ في أجوائنا لكي تضرب المرافق الحيوية والبيوت والنساء والأطفال؟

    لقد كنت هناك بنفسي - يا سيادة الرئيس - واحداً من الذين حضروا مع «جمال عبدالناصر» اجتماعات موسكو السرية في يناير ١٩٧٠، ولقد رأيت وسمعت كيف كان تردد القادة السوفيت إزاء احتمالات تواجد عسكري لهم في مصر، كانوا يرون هذه الخطوة خطراً علي موازين القوي العالمية، وقد جازفوا وقبلوا تحت إلحاحنا، وإن اشترطوا - يا سيادة الرئيس - هم الذين اشترطوا - أن يخرج خبراؤهم من مصر قبل المعارك، حتي لا تكون هناك ذرائع للقوة الأعظم الثانية لتتدخل مع إسرائيل.

    يومها - يا سيادة الرئيس - وهناك شهود أحياء علي الواقعة - أتذكر أن الزعيم السوفيتي السابق «ليونيد بريجنيف» ترك مقعده علي رئاسة الوفد السوفيتي، وجاء وراء مقعدي وكنت منهمكا في متابعة ما أراه أمامي، وأحسست بمن يربت علي كتفي، والتفت وإذا به «بريجنيف» وهممت للقيام بسرعة، وضغط علي كتفي يبقيني علي مقعدي، ويقولي لي:

    «إننا اتخذنا اليوم قراراً خطيراً لم يسبق لنا اتخاذ مثله علي الإطلاق، لكن أزمة الشرق الأوسط وأمن مصر وسلامة شعبها تعنينا، وهناك قضية سوف أعتبرك مسؤولاً عنها، وهي قضية مواجهة الحملة الخارجية في حالة ما إذا تسرب سر القرار الذي اتخذناه اليوم، أنت تعرف صحافة الغرب، وهم كثيراً ما ينقلون عنك ما تكتب».

    إلي هذا الحد - يا سيادة الرئيس - كان تخوفهم مما دعوناهم إليه، وهم بالطبيعة أبعد الناس عن المغامرة، بل لعل أكبر عيوبهم أن حبالهم طويلة، وأنهم علي استعداد للانتظار حتي تنضج عوامل صنع التغيير التاريخي وفق عقائدهم.

    أقول هذا - يا سيادة الرئيس - للإنصاف، وأقوله أيضاً عارفاً أن شعب مصر كريم الأخلاق ووفي، وليس ذنبه أن البعض حاولوا التعبير عنه بأسلوب لم يكن هناك ما يدعو إليه، وأليس غريباً - يا سيادة الرئيس - ما رأيناه حين أقلعت طائرتنا إلي الحرب في أكتوبر ومعنا الاتحاد السوفيتي، وهبطت طائرتنا بعد الحرب وإذا معنا الولايات المتحدة الأمريكية، أي أنه سلاح سوفيتي (لحماية العرب)، وبعده حل أمريكي (لحماية إسرائيل)!

    أقول ذلك - يا سيادة الرئيس - وأنا لست شيوعياً بالطبع وبالقطع، ولكني أقوله كمواطن مصري وكقومي عربي، ذلك أنه من قبيل المصائب أن لا نعرف كيف نفرق بين من ساعدنا وبين من ساعد عدونا، ثم إنه من قبيل المصائب أيضاً!

    أن نجد بيننا من يرددون - منافسة للببغاوات - ما كان يقوله أعداؤنا عنا ضمن حربهم النفسية ضدنا!!

    استعمار سوفيتي؟!

    أي استعمار ذلك الذي ينتهي باستدعاء سفير - كما فعل الرئيس «السادات» يوم ٨ يوليو ١٩٧٢ مع السفير السوفيتي «فلاديمير فينوجرادوف» - ليقول له: اسحبوا جميع خبرائكم من عندي في ظرف عشرة أيام. ويعود السفير في اليوم التالي برد من حكومته، مؤداه أن «سحب الخبراء سوف يتم في أسبوع واحد لا أكثر»، ثم يحدث ذلك فعلاً.

    أي نوع من الاستعمار هذا - يا سيادة الرئيس؟

    لست أنكر أن الاتحاد السوفيتي قوة عظمي، ولها أهدافها، ولكني أزعم أن مصر أخذت من الاتحاد السوفيتي ما أرادت، ولم تعط للاتحاد السوفيتي ما أراد.

    كان هدف الاتحاد السوفيتي إخراج النفوذ الغربي من الشرق الأوسط، وتصادف ذلك مع هوانا، لأن ذلك نفسه كان هدفنا.

    وربما كان مُني الاتحاد السوفيتي أن يحل نفوذه محل نفوذ الغرب في منطقتنا، ولكننا لم نمكنه، ثم إن بعده الجغرافي عن حدودنا، إلي جانب موازين القوي الحساسة في المنطقة - أعطتنا حرية في مواجهته، لم يكن لغيرنا مثلها في أي بقعة أخري من العالم.

    يبقي - يا سيادة الرئيس - أننا حققنا كل ما حققناه - في ميادين القتال - برجالنا، هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً أنه لم يكن في يدنا غير السلاح السوفيتي.

    وكانت مصر قوة عربية ودولية - ليس في ذلك شك - يا سيادة الرئيس.

    ولست أجادل في أن النكسة العسكرية سنة ١٩٦٧ كانت في ناحية منها إصابة لهيبة لمصر، لكن مصر راحت تستعيد مكانتها يوماً بعد يوم عندما أدرك الكل أن جزءاً من أراضيها وقع تحت الاحتلال، ولكن كل إرادتها ظلت لها، فلم ترغمها الصدمة علي توقيع وثيقة، وإنما دفعتها الصدمة إلي استجماع عناصر الفعل، واستنهاض همة الأمة،

    والعودة فوراً إلي ميادين القتال: بمعارك المدافع، ومعارك العبور، ومعارك الطيران والصواريخ، مما أطلقنا عليه وصف حرب الاستنزاف، وما تحول بعد ذلك وتطور فأصبح الخطة «جرانيت ١»، التي تحولت وتطورت إلي «خطة بدر» التي نسميها الآن «حرب أكتوبر».

    ويبقي آخر يوم من حياة «جمال عبدالناصر» شاهداً لا يكذب علي مكانة مصر العربية والدولية.

    وربما قرأتم - يا سيادة الرئيس - في الأسبوع الماضي رسالة لمراسل «نيويورك تيمس» في الشرق الأوسط «توماس فريدمان»، جاء فيها قوله:

    «إن العالم العربي مختلف الآن عما كان عليه سنة ١٩٧٠، لقد اختفي «ناصر» الذي كان من القاهرة يأمر الآخرين في العالم العربي أن يجيئوا إليه، فلا يكون أمامهم خيار غير أن يجيئوا».

    لقد بالغ «فريدمان» - يا سيادة الرئيس - فلم يكن «جمال عبدالناصر» يملك سلطة أمر علي غيره، ولكن مصر كانت تملك جزءاً مؤثراً من «شرعية» القرار العربي بكل ما يعنيه ذلك إقليمياً وعالمياً.

    وأزعم - يا سيادة الرئيس - أن مصر في وقت «جمال عبد الناصر» لم يكن فيها «رشاد عثمان»، ولا «توفيق عبدالحي»، ولا عشرات غيرهما سوف يظهر أمرهم، وكل واحد فيهم قضية تكفي لإنهاء عهد، بقدر ما كانت قضية «ووترجيت» كافية لإسقاط عهد «ريتشارد نيكسون» وإخراجه من البيت الأبيض.

    لا أدعي العصمة للبشر، وربما كان هناك ما لا أعلمه.

    لكني أعلم يقيناً أن «جمال عبدالناصر» كان فوق الشبهات. أعلم يقيناً أن مصر استعادت قناة السويس فاستردت كرامة، وتملكت مورداً، كان ولا يزال أهم مواردها وأكبر أرصدتها، وهي في ذلك لم ترش أحداً وإنما بذلت دماً.

    وأعلم يقيناً أن السد العالي - واحد من أضخم مشروعات العصر - تم بناؤه دون سحابة أو غمامة شك.

    وأعلم أن برنامجاً هائلاً للتصنيع - لم يكن له مثيل في أي واحدة من بلدان العالم الثالث كله - جري تخطيطه وتنفيذه دون مظنة شبهة أو تهمة.

    ولست أريد - علم الله - أن أعقد مقارنة بين عهدين، فتلك قضية لا داعي لها، وفي بعض الأحوال فلسنا نحن حكامها، وإنما الحكم هو التاريخ، بالإضافة إلي أن مثل هذه المقارنات عقيمة لا تريد مصر أن تسمعها ولا تملك وقتاً تضيعه فيها، ولعلي أقول إن مصر تريد اليوم أن تسمع سؤالاً واحداً، وليس سؤالين:

    ليكن ما كان، ما هو العمل الآن، ماذا عن المستقبل، وإلي أين من هنا؟

    هذا لب الموضوع هذه اللحظة، وذلك جوهر التحدي.

    هناك سبب رابع من أسبابي في تأييدك - يا سيادة الرئيس - وهو أنني واحد من الذين يتمنون لكم قلبياً أن تنجحوا، ليس فقط لأنكم «وطني، كفء، لديه ملكة القيادة»، ثم إن الظروف ألقت علي أكتافه بالحمل الثقيل - ولكن أيضاً لأن مصر لا تستطيع أن تتحمل - لا سمح الله ولا قدر - تبعات وعواقب أن لا تنجحوا، لسبب واضح، هو أن الخطر علي المستقبل يتأكد حين تصبح أعصاب الأمة وطاقاتها ومواردها مشدودة علي الآخر، أو تصبح صحتها علي غير ما يرام.

    لقد قبلت هذه الأمة بتحديات كبري، وقامت علي إنجازات ضخمة، ورعت مسؤوليات جساماً، ثم تحملت أعباء نكسة مؤلمة، ودفعت تكاليف نصر غال، ثم رأت غنائم النصر تخرج من حوزتها وتسلب من أصحابها لتعطي لمن لم يساهموا في صنعها، ومنيت بالوعود وقنعت بالآمال، ثم همت بالغضب وإذا بحق الغضب ذاته ينتزع منها.

    لا أفيض في هذه النقطة ولا أفصل، لكني - يا سيادة الرئيس - أقول لكم بأمانة: «إن النار تحت الرماد».

    * * *

    ويجيء الدور أخيراً علي سبب خامس وأمره بالغ الخطورة، ولعله أيضاً شديد الحساسية.

    إنني - يا سيادة الرئيس - واحد من الذين يخشون أن انتقال السلطة إليكم ربما يكون آخر انتقال هادئ للسلطة يمكن أن تشهده مصر - إذا لم نفهم - وإذا لم نبدأ.

    لقد كان مشهد المنصة درامياً، ولكننا ينبغي أن نفصل مشهد المنصة عن مشهد الانتقال.

    والحقيقة أن ترتيب انتقال السلطة إليكم كان آخر نفس عميق - ربما - في جهاز حكم أصبح مرهقاً ومثقلاً ولم يعد قادراً إلا بمعجزة علي أن يصلب عوده، مجرد أن يصلب عوده ويقف.

    هذا الجهاز - وقد كان من أهم ظواهر الحياة في مصر طوال تاريخها وبسبب طبيعتها - كما كان طوال عمرها واحداً من أهم عوامل استمرار الحياة العادية فيها - عدَّت عليه عوادي الزمان، وأرهقته تقلبات الأيام، بل تكاد تفرغه من خيرة عناصره ومن المحركات الدافعة لسيره، ومن الضوابط التي تنظم دوران تروسه.

    ثم إن جيلنا - يا سيادة الرئيس - عاش ليري انقلاباً يتحول إلي ثورة، وكان هذا يوماً عظيماً في تاريخ مصر، لكن جيلنا - وكل جيل بعده - ليس بين أحلامه أن يعيش ليري الثورة تتراجع لتعود انقلاباً.

    * * *

    سيادة الرئيس

    شرحت أمامك أسبابي

    لماذا أيدت، ولماذا آثرت الصمت، تاركاً تأييدي لك كآخر موقف مسجل، وآخر موقف أتحمل مسؤوليته حتي هذه اللحظة.

    وقاكم الله ووقي مصر، ورد عنكما كل مكروه.

    لكن الصلوات ليست وحدها طريق الأماني، أو ليست وحدها طريق تحقيق الأماني.

    وهكذا أسأل نفسي:

    وماذا بعد؟

    المقال الثالث

    الرأي العام في مصر.. غير مرتاح وغير مطمئن

    تمهيد

    كان صلب المقال الثالث مجموعة من الإشارات تومئ إلي فجوات ظهرت أمام الأسئلة الكبيرة عن : ماذا؟ - كيف؟ - ومتي؟

    وتركز السياق بالدرجة الأولي عن ظواهر تستحق الاهتمام من جانب النظام، حتي لا يتفاقم أمرها، وتتصاعد من حدود الظاهرة إلي حدود الأزمة!

    كان الداخل المصري في حالة حيرة شديدة، وأولها الحيرة علي طريق التنمية والمسؤولية عن إدارتها اقتصادياً واجتماعياً بأقصي كفاءة وعدل ممكنين، بما يحقق الآمال العريضة لزمان ما بعد «آخر الحروب».

    كانت آمال الناس عريضة، لكن ما رأوه فعلاً تناقض مع ما انتظروه حلماً.

    وكانت تلك بداية قلاقل سبقت ابتداءً من مظاهرات الطعام (١٨-١٩ يناير) سنة ١٩٧٧، إلي مأساة المنصة (٦ أكتوبر) سنة ١٩٨١، ثم انتظارهم بالأمل لما هو قادم!

    وفي ذلك اللقاء الذي أشرت إليه مع الرئيس «مبارك»، فقد كنت أثرت اقتراحين، ربما يكون فيهما ما يساعد الرئيس علي مهامه:

    - تعزيز جهاز الرئاسة بمجموعة من الخبراء - وفي البلد منهم وفرة - ونحن هنا لا نحتاج أن نخترع، وقد يكفي أن ندرس ماذا يفعلون في البيت الأبيض - مقر الرئيس الأمريكي - أو في البيت رقم ١٠ داوننج ستريت - مقر رئيس الوزراء البريطاني.

    - واقترحت عليه أيضاً أن يستعين بتقليد جري عليه الرئيس الأمريكي «روزفلت» - حتي في زمن حرب عالمية - ثم سار عليه الرئيس «كنيدي»، وهو يطرح علي أمريكا سياسة الآفاق الجديدة، والاقتراح أن يقوم الرئيس مرة كل شهر بدعوة ما بين عشرة إلي اثني عشر رجلاً وامرأة من جميع مجالات العمل الوطني من النقابات المهنية، والعمالية، وأساتذة الجامعات، ورجال الهيئات القضائية والدبلوماسية، ورجال الأعمال، وكبار موظفي الدولة، وقادة القوات المسلحة، وقادة البوليس،

    وكان ظني أن الرئيس الجديد لم يتعرف علي العمل العام بما فيه الكفاية، ومن المفيد - يقيناً - أن يسمع الناس، وأن يسمعوه في جلسات حميمة، مع التنبيه إلي أن تلك لقاءات تعارف، وليست مؤتمرات صحفية تُذاع وقائعها علي الملأ - وحتي إذا حدث تسرب لشيء قيل في حوار، فإن الضرر محصور - بل ربما كانت الفائدة أوسع في بعض الأمور.

    نوفمبر ١٩٨٢

    سيادة الرئيس


    ليس صادقاً معكم - وليس صادقاً مع مصر - من يزعم أمامكم اليوم أن الرأي العام مرتاح أو مطمئن.

    مثل هذا الزعم أبعد الأقوال عن الصدق - أقربها إلي غيره.

    وليس صادقاً معكم - وليس صادقاً مع مصر - من لا يعترف بصراحة وأمانة أن كثيرين لا يعرفون إلي من يتجهون بما لديهم من أسباب التوجس والقلق - إلا أنتم - مهما بدا ذلك تجنياً يحمل الأشياء فوق قدرتها، ويحمل الرجال فوق طاقتهم. فهذه حقيقة سياسية لا مجال للدوران حولها، مع التسليم بأن حتي الحقائق أنواع - وإن بدا ذلك تناقضاً في استخدام الكلمات!

    * فهناك الحقائق العلمية مثلاً، وهي قوانين ثبتت معادلاتها وأحكامها في الطبيعة والحياة.

    * وهناك الحقائق التاريخية مثلاً، وهي كشف مستمر يضيف إليه البحث والدرس إضاءة جديدة كل يوم.

    * وهناك الحقائق السياسية، وهي اعتقاد الناس بصحة وقائع أو أفكار راجت وشاعت!

    وأركز الآن - بإذنكم - علي الحقائق السياسية بسبب تأثيرها الفادح علي صُناع القرار وأجواء صناعته، بمعني أنه حين يأخذ الاعتقاد السائد لدي الرأي العام في أي بلد من البلدان منحي معينا - فتلك حقيقة سياسية لابد من التعامل معها، ويستوي الدليل والظن هنا لأن المجال ساحة سياسة، وليس قاعة محكمة!

    ومع أن الرأي في مجال السياسة ليس لقضاة يطبقون مواد قانون محايد، أو يفترض أن يكون محايداً، وإنما لجماهير تحتكم إلي مصالحها وآمالها، وإلي تجاربها ومشاعرها، وإلي مخاوفها ومواريثها. فإن الرأي العام يملك في النهاية سلطة إصدار الأحكام، قضاة المحاكم بواسطة نطق قضائي، والرأي العام بواسطة نطق سياسي أهم وأخطر، ففي حين أن نطق القضاة يخص أفراداً بذواتهم، فإن نطق الرأي العام يمس نظماً بأكملها!

    * * *

    وأريد أن أتحفظ أمامكم - ياسيادة الرئيس.

    فأنا لا أدعي - أولا - نيابة عن الرأي العام، لأني لا أملك هذا الحق، وليست لدي وسائله، بل إنني لا أعترف به لنفسي ولا لغيري، خصوصاً في غياب أساس علمي لقياس اتجاهات الناس، وفي غياب مؤسسات لها أهلية هذا الحق.

    وثانياً: فإنني واحد من الذين نادوا باستمرار بالتفرقة بين الرأي العام والرأي الخاص، لأن السياسة في مصر كثيراً ما خلطت بين الرأيين، فأحاطت بصانع القرار جماعات الضغط من أصحاب المصالح يتوسلون للتأثير عليه بادعاء التعبير عن رأي عام، بينما هم في الحقيقة يعبرون عن مساحة محصورة في نطاق ما يمسهم مباشرة، وكذلك يخلطون بين الرأي العام والرأي الخاص!

    وثالثاً: فإنني أعترف أنه ليس في مقدور إنسان أن يدعي الحياد بحيث يجوز له أن يراقب الحركة العامة في مجتمع كبير ومعقد حوله - كالمجتمع المصري - ثم يتوهم أن ما تجمع لديه صورة كاملة للواقع، أو الأقرب إليه، لأن كل إنسان في موقعه يري ما يسمح له هذا الموقع برؤيته وليس أكثر، وبالتالي فإن رصده للحركة العامة من حوله يصدر عن نقطة محددة. وفي الحقيقية فإنني لا أتصور الحياد لصاحب رأي، وإلا كان معني ذلك التوهم بإمكانية الانسلاخ عن الزمان والمكان، وعن التاريخ والحياة، وكله في رأيي من المستحيلات - واقعاً وفكراً.

    ومع ذلك كله، ورغم هذه التحفظات وقد سجلتها علي نفسي بنفسي - فإنني أظن أنه يبقي لأي واحد من هؤلاء الذين طال عهدهم بميادين العمل العام، وامتدت عشرتهم مع الناس والحوادث - حاسة معينة في رصد ما يجري من حولهم، خصوصاً إذا كان ذلك صميم عملهم، وخصوصاً إذا انتفي الظن بوجود مصلحة ذاتية تدفعهم.

    وأدعي - يا سيادة الرئيس - أنني قريب من هؤلاء. فقد قضيت في ميادين العمل العام قرابة الأربعين سنة، ثم إنني صحفي، وصحفي لم يعد يطلب إلا حقه في حب الوطن - وواجبه في الحرص علي مستقبله.

    هكذا - يا سيادة الرئيس - فإنني أظن أو علي الأقل أتصور - أن ما أعرضه عليكم هو صورة لحركة الرأي العام المصري - أشبه ما تكون بمحاولة التقاط صورة، قد تكون جزئية، وقد يكون ضوؤها غير كافٍ لإظهار تفاصيلها، لكنها فيما أرجو - غير بعيدة عن الواقع وليست منقطعة الصلة به!

    * * *

    سيادة الرئيس

    أستأذنكم - إذا سمحتم - بأن أعود إلي الأمور عند نقطة بدايتها الأولي، ثم أنتقل منها خطوة بعد خطوة لنري كيف تعاقبت الحوادث، وكيف تحركت اتجاهات الرأي العام.

    هنا، لابد لنا - يا سيادة الرئيس - أن نتوقف أمام صورتين:

    - صورة السنوات الأخيرة من عهد الرئيس «السادات».

    - وصورة الأسابيع الأولي من عهدكم.

    * الصورة الأولي - أولاً:

    سوف أتجنب بالقطع - في حديثي عن صورة السنوات الأخيرة من عهد الرئيس «السادات - أي وصف أو تعبير أو لفظ لا يليق بالمقام، لأن الأدب مع الناس فضيلة وحقهم واجب، واحترام الحياة والموت فريضة، لهذا فإن ما أقوله وبمنتهي الموضوعية، ملخصه أن جماهير واسعة من الشعب المصري أحست في السنوات الأخيرة من عصر الرئيس «السادات» أن هناك فجوة واسعة بين ما يقال لها الواقع الذي تعيشه كل يوم.

    وليس صحيحاً - يا سيادة الرئيس - ما يزعم به بعضهم من أن شواغل الناس كل يوم بعيدة عن السياسة. بل الصحيح أن الناس في الدنيا كلها - حتي في الصحاري والغابات - يصحون وينامون، ويأكلون ويتنفسون - سياسة.

    وقد يكون مناسباً أن نتفق هنا علي تعريف مقبول للسياسة، والتعريف المقبول في ظني: «أن السياسة هي تنبيه أي شعب إلي مكانه ومكانته، وإلي تاريخه وهويته، وإلي اكتشاف قدرته وهمته، والدفع بإمكانياته وإرادته بقصد حشد وإدارة ما يملكه من موارده الطبيعية والإنسانية، التاريخية والاستراتيجية، الاقتصادية والثقافية - بما يكفل بلوغ الحد الأدني من مطالبه، ويسعي بيقظة وكفاءة لتحقيق الحد الأعلي لهذه المطالب».

    وإذا كان ذلك التعريف صحيحاً - فإن الجماهير العادية لا تعرف عن الحياة السياسية مما تسمعه من خطب زعمائها، وتقرؤه عن خططهم المعلنة، أو تراه متزاحماً علي صفحات الجرائد أو شاشات التليفزيون، وإنما هي تعرف حين تقيس تأثير ذلك كله علي حياتها وآمالها - وعلي معاشها كل يوم.

    ويقال أحياناً - ظلما وتجنياً - إن الشعب المصري لا يعرف السياسة إلا عن طريق بطنه، والقول العدل أن ذلك حال كل الشعوب، إذ يكون مدخلها إلي السياسة ما تري من أحوال حياتها ومعاشها، أي ما تواجهه وتتعرض له في جميع شؤونها صباح مساء، فذلك في معيارها وزن الحقائق، وغيره لا يسنده واقع ولا يقوم عليه دليل.

    بل إن الثورات - وهي ذروة التحولات السياسية الكبري في المجتمعات - وقعت علي طول التاريخ لأسباب تتصل بالحياة اليومية - الاقتصادية الاجتماعية بالدرجة الأولي - لعامة الناس.

    ولم تقم ثورة في التاريخ - في أي مكان في الدنيا - إلا وكان محركها المباشر اقتصاديا اجتماعيا - وأعود إلي ما كنت أقوله:

    وهو أنه في أواخر عصر الرئيس السادات ظهرت فجوة واسعة بين القول المُعلن - والحقيقة المُعاشة!

    وفي الواقع فإن تلك السنوات كانت سنوات جَيشان اجتماعي وسياسي. وكان هناك بعض من رصدوا وشخصوا، أذكر منهم ذلك الرجل العجوز الحكيم الذي فقدته مصر منذ قرابة العامين، وأعني به الدكتور «محمود فوزي».

    إنكم لم تعرفوا الدكتور «محمود فوزي» - يا سيادة الرئيس - وكان في مُناي أن تعرفوه وأن تسمعوه، لم يعرفه ولم يسمعه كثيرون، فقد كان الرجل بطبعه قليل الكلام، عزوفاً عما لا لزوم له، وكان عفّاً، وكان مثقفاً، ولذا أعطاه الناس نوعاً فريداً من الاحترام يقوم علي مجرد إحساسهم بأنه رجل له معني، وبالتالي رجل له قيمة تستحق الحرص.

    كنت أراه كثيراً، وكنت زائراً منتظماً لفراش مرضه في أيامه الأخيرة، وكانت له تعبيرات لا ينافسه فيها أحد. وسألته ذات يوم كيف يري الأحوال؟ وكان رده:

    «لقد أضفنا إلي فنون المسرح ظاهرة جديدة هي المسرحة بلا مسرحية. فهناك آلات تعزف، وطبول تدق، وأضواء وألوان، وستائر من القطيفة الحمراء المزركشة بالذهب ترتفع، وخلفيات من الديكور تظهر، وناس يروحون ويجيئون علي الخشبة، وأصوات متنوعة الطبقات واللهجات - لكن المشكلة أنه ليس هناك موضوع، بل ليس هناك نص.

    ذلك ما أعنيه: المسرحة دون مسرحية!».

    وسكت الدكتور «فوزي» يومها قليلاً، ثم استطرد:

    «أخشي ما أخشاه أن تجيء لحظة يكتشف فيها جمهور المتفرجين، حقيقة أنه ليس أمامهم إلا مؤثرات بالصوت والضوء أمام عيونهم وفي آذانهم، لكنها مؤثرات بلا موضوع، وبلا نص».

    وكان ذلك بالرمز تعبيراً عن واقع أنها مسرحة بلا مسرحية.

    وجاءت لحظة أفاق فيها جمهور المتفرجين من المؤثرات المرئية والمسموعة، واكتشفوا أن الموضوع هش، والنص ركيك، وجاءت لحظة الحقيقة.

    ..........

    إنني - يا سيادة الرئيس - ضد الاغتيال مهما كانت دوافعه، خصوصاً بالنسبة لرجل حمل بشجاعة مسؤولية قرار أكتوبر، وبصرف النظر عن كل ما جري بعد ذلك وصار - فإن علينا التنبه إلي أنه لا شيء يجري في فراغ، بما في ذلك الاغتيال لسوء الحظ. والواقع أن الاغتيال لا يحدث إلا في مناخ يهيئ له ويجعل تنفيذه وارداً، ونتائجه متوقعة، وربما أن ذلك كان من سر موقف اللامبالاة الذي ظهر يوم تشييع جنازة الرئيس «السادات»، وقد لفت هذا الموقف نظر العالم، فراح يتأمله مدققاً ومحققاً، يحاول أن يتقصي الأسباب ويتعرف علي دواعيها.

    وقد نلاحظ - يا سيادة الرئيس - أن الذين قاموا بالاغتيال - خالد الإسلامبولي ورفاقه - لم يكونوا من نوع أولئك الذين اغتالوا الأخوين «جون» و«روبرت كيندي»، أو أولئك الذين حاولوا اغتيال الرئيس الأمريكي الحالي «رونالد ريجان»، والبابا «يوحنا بولس الثاني» الجالس الآن علي عرش القديس «بطرس» في الفاتيكان، لأن أولئك كانوا من الشاردين علي هوامش مجتمعاتهم.

    وعلي خلاف ذلك، فإن الذين اغتالوا الرئيس «السادات» جاءوا من داخل المجري العام للأفكار والعقائد في مصر، ومن السابحين في أحد الروافد الظاهرة في التيار الإسلامي العارم والعنيف أحياناً، وذلك رافد فكر وعمل، جرت ينابيعه الأولي من صدر الإسلام، ثم تعمق مجراه باجتهادات اثنين من الفقهاء الكبار: «ابن حنبل» و«ابن تيمية»، ثم فاض علي عصرنا الحديث بتعاليم مجموعة من الرجال يبدأون بـ«جمال الدين الأفغاني»، وينتهون بـ«أبي الأعلي المودودي». قد يكون عصرنا مختلفاً، وقد تكون اجتهاداتنا محكومة بحقائقه، وقد تكون لنا ملاحظات وتحفظات علي «الأفغاني» و«المودودي» وغيرهما - لكننا في هذا كله لا نستطيع أن نسقط من حسابنا أننا أمام ظاهرة يحسب حسابها من ظواهر التيار الإسلامي العارم.

    وهذه ملاحظة لها أهميتها.

    * * *

    وفي الواقع فإن تلك الأيام الأخيرة من عصر الرئيس «السادات»، حلت علي مصر وهي في حالة أشبه ما تكون بحالة عصيان مدني.

    مخطئ - يا سيادة الرئيس - من يقول إن ما حدث في سبتمبر وأكتوبر من العام الماضي كان ثورة أو ثورة مضادة، أو شيئا شبيها بهما - بل كان ما حدث حالة تمرد عام، أو شيئا أشبه بالعصيان العام.

    وكان المناخ كله تلك الأيام أحوال رفض تولد عنه غضب شديد ملأ نفوس كل الأطراف.

    كان رئيس الدولة غاضبا، وكان الشارع غاضباً، وكان المسجد غاضباً، وكانت الكنيسة غاضبة، وكانت السياسة غاضبة، وكان الفكر غاضباً!

    وتراجعت لغة الحوار واستحكمت لغة العنف، بادئة بحملة اعتقالات واسعة، حلا للبعض وصفها بالثورة، وبرزت المخالب وطالت الأنياب - باسم الديمقراطية وسيادة القانون - وامتلأت المعتقلات علي آخرها، والغريب أن السجون أطبقت بوابات الحديد علي كل من اعتبرتهم مصر - والعالم معها - رموزاً لكل القوي والمجموعات والتيارات الوطنية، كأن السلطة دخلت في صدام إلي النهاية مع كل الناس، ناسية أنه لا طاعة لسلطة إلا بمقدار القبول الاختياري من الأغلبية بها، وإلا بمقدار نزولها هي عند مقتضي إرادتهم.

    كل فعل له رد فعل، مساو له في القوة، مضاد له في الاتجاه، هكذا تقول الهندسة، وكذلك أيضاً تقول السياسة. وهكذا فإن العنف أدي إلي العنف المضاد، وهذه تحقيقات حادث المنصة أمامنا تشهد بأن نية وخطة الاغتيال لم تتحرك ولم يرسم لها ويرتب لتنفيذها إلا بعد «اعتقالات سبتمبر ١٩٨١».

    كنت أقول لمن ناقشت - وهم كثيرون - «لا تقعوا في نفس الخطأ، ما كان من اعتقالات، لم يكن «ثورة ٥ سبتمبر».

    وما يسمي بحادث المنصة وما توافق معه في صعيد مصر، لم يكن ثورة ٦ أكتوبر.

    وإنما كانت كلها مظاهر حالة عصيان، وحالة رفض، وحالة تمرد.

    كان رأيي - يا سيادة الرئيس - أن هذا التوصيف مهم لأنه وحده يحدد حجم ما هو مطلوب عندما يتوقف العنف، وعندما تهدأ النفوس، وعندما تنزاح وتنجلي عاصفة الغضب التي ظلت تهب علي مصر قرابة ثلاثة شهور من خريف سنة ١٩٨١.

    إذا كان ما حدث ثورة، فالثورة لها أحكامها من سقوط وظهور.

    وإذا كان ما حدث تمرداً، فإن المطلوب يكون بمراجعة الطرق التي قادت إلي أبواب مسدودة.

    بمعني أن التحليل السليم لأي حدث من الأحداث لا يتوفر بمجرد فهم ما كان، وإنما - قبله - بمحاولة فهم ما يمكن أن يكون.

    هذه هي الصورة الأولي - يا سيادة الرئيس.

    * * *

    * والصورة الثانية؟

    ـ الصورة الثانية - يا سيادة الرئيس - هي الأسابيع الأولي في عهدكم.

    ماذا حدث فيها؟ وكيف حدث؟ ولماذا؟

    أليس غريبا - يا سيادة الرئيس - أن مصر أولتكم ثقتها قبل أن تسمع منكم حرفا؟ - مع أن مصر عادة لا تمنح ثقتها بسهولة.

    * إن مصر - وقد عشت التجربة - لم تمنح ثقتها لجمال عبدالناصر إلا بعد حرب السويس العظيمة، أي بعد أربع سنوات من العمل الشاق والمضني.

    * كذلك - وقد كنت شاهدا - فإن مصر لم تقبل «أنور السادات» قبولا حقيقيا إلا في تلك الشهور من أواخر سنة ١٩٧٧ وأوائل سنة ١٩٧٨، وهي الفترة التي استطاع أن يقنعها فيها بحلمه الأسطوري: السلام مدخلا إلي الرخاء.

    «ومن المفارقات أنه خلال حرب أكتوبر نفسها وبعدها - أن مصر لم تعط قبولها كاملا للرئيس «السادات»، لأن الجماهير بعد بدء المعارك ظلت تنتظر بقلق، وحين اطمأنت وصدقت أن معجزة العبور تحققت، فإن هذه الجماهير فوجئت بالثغرة، وما ترافق معها من أجواء تردد وتخبط استمرت أياما، ثم لم يكد الدخان ينجلي حتي وجدت الجماهير نفسها أمام اتفاق فك ارتباط منفرد علي الجبهة المصرية، وبدا أن التحالف العربي والدولي الكبير الذي خاض الحرب تنحل أواصره وتتبعثر قواه، وسري شعور بالتحفظ وقتها».

    ولم تكن الصورة كذلك سنة ١٩٧٧ «لحظة مبادرة القدس».

    كان الحلم الأسطوري بالسلام والرخاء - أشبه ما يكون بشهقة العجز عن التصديق! «فيها عناصر الإثارة والدهشة والترقب والانبهار».

    وعندما قام الرئيس «السادات» بمبادرته المشهورة في نوفمبر ١٩٧٧، وعارضته فيها - كتبت أكبر المجلات في مصر وهي «أخبار اليوم» علي عرض صفحتها الأولي تعليقا عنوانه «واحد ضد مصر»، ورددت علي ذلك بمقال نشرته خارج مصر وقلت فيه «واحد من مصر وليس واحدا ضد مصر» - لكني أشهد أنني كنت ضمن قلة قليلة في ذلك الوقت، لأن التيار الكاسح لحظتها اندفع مع الحلم الأسطوري في السلام والرخاء.

    وذلك سر تلك الشهقة المأخوذة بالمفاجآت - وقد استولت عليها تفاصيله، وجعلتها في انتظار نتائج كبيرة دون تحديد أو تخصيص!

    ..............

    * إن مصر لم تمنح ثقتها بسهولة، ولا قبولها - إلا في حالتكم أنتم علي وجه التحديد.

    إن الشعب المصري لم يمنحكم ثقته وقبوله نزولا علي أحكام المقادير، فقد كان في استطاعة الشعب المصري أن يواصل حالة اللامبالاة التي واجه بها لحظة المأساة علي المنصة، ولم تكن هناك قوة ترغمه علي غيرها لو لم يكن قد شعر في أعماقه بشيء آخر دفعة - علي عكس طبيعته - إلي الثقة والقبول فورا ودون انتظار.

    يطول الحديث إلي ما لا نهاية لو أردنا أن نغوص في أعماق هذا الشعور الآخر الذي دفع إلي الثقة والقبول في تلك اللحظة، فقد كان ذلك حكما بالوجدان أكثر منه حكما بالعقل، إن العقل أحيانا مقيد مهما انطلق، والوجدان كثيرا ما يكون مصيبا حتي وإن تسرع، ووجدان فرد أو شعب يتصل بالضمير أكثر مما يتصل بالحساب.

    إن علم الحساب يقول إن واحد زائد واحد يساوي اثنين، وهذا كل شيء، ولو حاول أحد تطبيق ذلك، فقد كان يمكنه بعلم الحساب أن يحدد المسألة علي النحو التالي:

    رجل اختاره الرئيس «السادات» نائبا له، وبقي معه ست سنوات، ثم تقدم لمقعد الرئاسة في أعقاب مصادفة مأساوية - فما هو مجال الحركة المفتوحة له؟ وإلي أي مدي يستطيع؟

    إن ضمير الشعب، ووجدانه اختلفا مع علم الحساب، في لحظة عظيمة الخطر وغير مأمونة العواقب ولا تحتمل التردد. ومرة أخري لفتت الظاهرة نظر العالم كله، فراح يتأملها مدققا ومحققا يحاول أن يتقصي الأسباب ويتعرف علي دواعيها.

    ولقد أحسست - يا سيادة الرئيس - حتي ونحن وراء قضبان السجن، غائبين أو مغيبين من مجالات الحياة العامة في مصر - أن جماهير الشعب منحتكم ثقتها وقبولها بغير تردد.

    وحين أتيح لي - ولغيري - أن نخرج من وراء القضبان كانت هذه الحقيقة أمام عيوننا واقعا لا يقبل الشك والجدل.

    ولقد كنت واحدا من الذين قالوا في تلك اللحظة:

    ـ ظلموه إذ حملوه ما لا يسمح بتحقيقه واقع الحال!

    صاغوا أحلامهم وعلقوها سلاسل من ذهب في أعناقهم ومشوا بها فرحين مختالين، بعض الناس لهم الحق أن يشتكوا من فرط سوء نية الآخرين حيالهم، وقلائل لهم الحق أن يشتكوا من فرط حسن النية المسبقة فيهم، تفرش الطريق أمامهم بأوراق الورد والياسمين، ثم تنتظر منهم أن يتحركوا ويفعلوا!!

    ماذا كانوا يريدون منكم - يا سيادة الرئيس - وما هو بالضبط ذلك الذي كان مطلبهم؟

    ذلك سؤال حيوي، وربما كانت خير وسيلة للإجابة عنه هي محاولة جس نبض الرأي العام في استجابته - بالتأييد أو بالتساؤل - إزاء خطواتكم واحدة بعد الأخري.

    * ونستعرض مواقف الاستجابة بالتأييد أولا:

    أقول بغير تردد إن استجابة الرأي العام كانت تأييداً كاملا إزاء مجموعة من الخطا بدت في الشهور الأولي وكأنها - هي وليس غيرها - مؤشر اتجاه الحركة.

    * الإطار الذي قدمتم فيه أنفسكم للناس في أول خطاب حين رأي الناس أمامهم واحدا منهم لا يمثل شخصية «رمسيس الثاني» ممسكا بمفتاح الحياة في يده، ولا يقلد «لويس الرابع عشر» صاحب القول المشهور: أنا الدولة!

    رجلا يتصرف بتواضع، ولا يهرول وراءه رجل آخر بدرجة وزير ليحمل عنه أوراقه، أو ثان يمسك له بمقعده يزيحه تحته عندما يجلس، ثم رجل يتكلم من نص رصين مكتوب بغير انفعال، ولا افتعال!

    ..............

    * القرار - والأسلوب الذي جري به تنفيذ القرار - في عملية الإفراج عن المعتقلين، فقد كان ذلك تصرفا لفت انتباه مصر، ولفت انتباه الأمة العربية، ولفت انتباه العالم، حين بدا أن هناك رجلا لم تأخذه عزة القوة أو حماقة القوة، بحيث أدرك في غير ادعاء أو استعلاء أن الرجوع عن الخطأ هو نفسه طريق الصواب.

    كان يكفيه أن يقول ثلاث جمل لا أكثر:

    «صفحة جديدة في تاريخ مصر - وحوار مفتوح مع كل القوي الوطنية - ووقت لأفكر».

    وبها فإنه قال كل شيء!

    * الأعصاب الهادئة التي جرت بها إدارة العلاقات مع إسرائيل في تلك الفترة الحرجة، ما بين اغتيال الرئيس «السادات» في ٦ أكتوبر ١٩٨١، وإتمام المرحلة الأخيرة من الانسحاب من سيناء في ١٨ أبريل ١٩٨٢. ومن وجهة نظري ولأسباب عديدة - ليس الآن مكانها - لم يكن يراودني شك في أن إسرائيل سوف تخرج من هذه الأرض في الموعد المقرر.

    كانت إسرائيل في تلك الفترة تشن علي القيادة المصرية الجديدة حرب أعصاب، ومرة أخري كان الشعب المصري واعياً في تصرفه معكم، وجري بينكم وبينه حديث بالرموز والإشارات ترجمته في النهاية: «لا تقلق علي هذه الناحية من الخطوط، تفرغ بالكامل لمواجهة ما يحاولونه معك، وتصرف كما تري مناسباً، نحن نعرف ونفهم، ولن يحدث هنا شيء أو يرتفع صوت يسبب لك من وراء ظهرك ما يمكن أن يؤثر علي موقفك أو يحد من حريتك».

    ..........

    * محاولة الإطلال علي الصورة العلمية للواقع الاقتصادي الاجتماعي في مصر بعد سنوات من الفوضي الشاملة والضباب الكثيف، وكان ذلك عن طريق مؤتمر ضم صفوة من المهتمين والمتخصصين في شؤون الاقتصاد في مصر من مختلف مدارس العلم والفكر.

    ولقد كانت لي ملاحظة علي هذا المؤتمر أبديتها في حينه ومباشرة، فقد ذكرت مباشرة أمامكم أن أي دراسة لا تحقق المطلوب منها إلا علي ضوء اختيار سياسي، يعبر بدوره عن اختيار اجتماعي. فالعلوم الاجتماعية - وأولها الاقتصاد - ليست محايدة، والحقيقة الاجتماعية كما يقولون لا تعيش في فراغ، بل إن الفراغ ذاته يتخذ شكل الوعاء الذي يحتويه، سواء كان هذا الوعاء بحجم فنجان قهوة أو اتسع بحدود وطن بأكمله،

    وبالتالي فقد كان بعض التحديد مطلوباً عن طريق الاختيار، ومع ذلك فلقد وصل المؤتمر إلي نتيجة لا بأس بها، إذ اتضحت بعده - ولأول مرة منذ سنوات طويلة - أرقام كثيرة مخفية عن أصحاب الحق في معرفتها، بمعني أنها كانت سراً علي جماهير الشعب المصري التي لم يكن لديها سوي ما يقال لها من أن الرخاء قادم: سنة ١٩٨٠!

    (وذلك يعطينا - يا سيادة الرئيس - درساً بليغاً في التعامل مع الشعوب. لأن هناك ممارسة في العمل السياسي المصري تتصور أن الخداع سلاح فعّال مع شعب يتصوّرونه ساذجاً.

    وقد انتظر الشعب المصري سنة الوعد بالرخاء: سنة ١٩٨٠، وانتظر صابراً لا يتململ، ولم يجئ الرخاء في موعده المضروب، وفي السنة التالية - ١٩٨١ - كانت مصر أمام خريف الغضب!

    هكذا التاريخ، يتحدث عنه بعض الناس وكأنه غيب مجهول، والحقيقة أنه فعل له - في نهاية المطاف - قوة قانون).

    ..........

    * السماح لأحزاب المعارضة التي تعرضت للضرب العنيف أو التبريد العميق - فيما سُمي بثورة ٥ سبتمبر - بالعودة ثانية إلي المسرح السياسي، ومعها أدواتها في التعبير عن نفسها بحقها المشروع والقانوني في صحف ومنشورات، ثم لقاءاتكم مع شخصياتهم لتبادل الرأي فيما ترونه ضرورياً ولازماً.

    لقد كان الحكم - ولا يزال - يا سيادة الرئيس - فردياً بطبيعة الظروف في مصر، رجل واحد علي القمة يقرأ ويسمع ويشاور ويحاور، وهو في آخر النهار يتخذ قراره بنفسه.

    وبالطبع فإن هناك الطموح إلي مرحلة من التطور تسمح بوجود مؤسسات لا تستمد سلطتها في النهاية من رجل واحد علي القمة، بل تملك بنفسها إمكانيات وسلطات حركتها الذاتية، لكنه حتي تجيء هذه المرحلة من التطور، فليس هناك ما يدعو إلي تسمية الأشياء بغير أسمائها، وإلا كنا نخدع أنفسنا ولا نخدع أحداً غيرنا.

    نعم، الحكم فردي، وهذا خطر، وقد نقول إنه ضرورة مرحلة ينبغي اجتيازها، وبالفعل فقد جاء الوقت الملائم لتجاوزها.

    لكنه إذا كان الحكم الفردي خطراً، فإن الحكم الشخصي كارثة.

    وقد عرفنا «الحكم الشخصي» بعد «الحكم الفردي».

    والقرار في الحكم الفردي يصدر عن رؤية عامة قابلة بالطبع للصواب والخطأ - وأما القرار في الحكم الشخصي فإن الحدود معه تضيق، إذ يختفي إلهام الرؤية العامة ليحل محلها همس الوحي المباشر!

    ..........

    * وزاد فوق هذا كله، وأضيف إليه تأييد الناس لكم في دعوة إلي الطهارة، تعهدت باستئصال الفساد، وعدم التستر عليه بعد أن سري واستشري في أجواء تغري به، وتساعد عليه، وتبسط يد الحماية فوقه.

    * * *

    سيادة الرئيس

    لقد فرغت الآن من عرض استجابات الرأي العام بالتأييد لبعض خطواتكم، وأنتقل الآن - بإذنكم وسماحكم - إلي الجانب الآخر، جانب الاستجابة بالتساؤل أو بالتردد، وأستعرض أمامكم نماذج مما يجري ويدور علي هذا الجانب الآخر.

    ..........

    * لقد بدأت التساؤلات - يا سيادة الرئيس - حين فوجيء الناس بقبولكم رئاسة الحزب الوطني.

    لقد كان هناك في تاريخ مصر حزب يحمل هذا الاسم أسسه «مصطفي كامل»، ثم خلفه علي رئاسته «محمد فريد»، وكانت لهذا الحزب سياسات معينة، وكانت له مناهج معروفة، وبعد ذلك التاريخ فإن أي محاولة لوصل ما انقطع - خصوصاً إذا لم تكن هناك صلة لا بالاستمرار ولا بالسياسات ولا بالمناهج - عملية تلفيق للتاريخ. مع اليقين بأن حقب التاريخ ليست قطعاً من القماش تشبكها ببعضها إبرة وخيط!

    ..........

    * اتصل بذلك أن الذين يضمهم الحزب الوطني الآن هم في مجموعهم نفس الناس الذين ضمهم من قبل الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي ثم حزب مصر، ومعني ذلك أن هذا الحزب الوطني في لونه الأخير - اعترفنا بذلك أو لم نعترف - تجمُّع لأصحاب المصالح القائمة، أو فلنقل ببساطة إنه حزب السلطة، وحزب أي سلطة، وتلك ظاهرة عادية في معظم بلدان العالم الثالث لم تنفرد مصر بها، وليس هناك ما يدعونا إلي لوم أحد عليها، بمن فيهم أصحاب الشأن الذين جمعهم الحزب، فتلك أحكام الظروف.

    لكننا لم نكن في ظرف عادي - يا سيادة الرئيس - وإنما كنا في ظرف يقتضي حضور مصر كلها، ولقد كان ذلك هو المغزي الحقيقي لحقيقة التفاف جماهير الشعب حولكم، من قبل أن تصدر عنكم كلمة واحدة. لقد اختاروكم - يا سيادة الرئيس - لمعني أو معان ليس بينها علي وجه القطع، استمرار السياسات والممارسات التي سادت خريف الغضب.

    وليس دقيقاً - يا سيادة الرئيس - أن يقال إن الحزب الوطني هو الذي قام بعملية انتقال السلطة إليكم يوم ٦ أكتوبر. لقد تم انتقال السلطة مع نفس اللحظة التي تبين فيها بعد دقائق من حادث المنصة أن جهاز الدولة قائم بعمله، وأن تروسه جاهزة لمواصلة الدوران، وليس خافياً أن عدداً من الجماعات المنتمية إلي الحزب الوطني كانت في حالة فرار طوال أيام الانتقال، ولعدة شهور بعد الحادث كانت هذه الجماعات لا تعرف كيف تلملم أطرافها وأعصابها، ولا إلي أين تتجه، أو إلي من تتجه.

    هل أقول ما هو أكثر - يا سيادة الرئيس - هل أقول إن كل الأحزاب القائمة - سواء في ذلك الحزب الوطني أو أحزاب المعارضة - ظاهرة ضبابية لأنه لا يعرف أحد بالضبط ما تمثله أو حجم ما تمثله. لأنها جميعاً نشأت بقرار شخصي: يمين ووسط ويسار. اختراع وصفناه بالمنابر أولاً، ثم استعرنا له وصف الأحزاب فيما بعد.

    إن الأحزاب الأخري - غير الحزب الوطني - حزب السلطة - اضطرت تحت ضغط الظروف أن تحدد مواقفها أكثر، لأن ذلك كان سبيلها الوحيد للوصول إلي الناس. أما الحزب الوطني فلم يكن يواجه مثل هذا الاضطرار، لأن مركبة السلطة كانت وسيلته السريعة في التمكين لنفسه مع واقع حال يؤكد أن هذا الحزب وأي حزب غيره في مصر كَمَّ مجهول في حجمه وقوته، بل لقد كان هناك من يزعمون أن المجهول من كَمِّ هذه الأحزاب حجماً وقوة لا يقتصر علي النسبة والتناسب بينها، وإنما يمتد إلي ما هو أكثر، أي إلي حجم ما تمثله مجتمعة علي الساحة المصرية كلها، وقد كان هناك من رأوا - ومازالوا - أن هناك قوي رئيسية غائبة تماماً، فهي موجودة في المجتمع بالفعل، لكن التنظيمات القائمة لا تحتويها ولا تمثلها.

    هكذا أثارت رئاستكم للحزب الوطني تساؤلات، وليس مستساغاً أن يقاس الوضع بأمثلة مما يجري هناك، مثل أن يحكم «فرانسوا ميتران» من قصر الإليزيه من موقع رئاسته للحزب الاشتراكي الفرنسي، هناك سمحت مراحل التطور بديمقراطية حقيقية، وهناك حدث الانتقال من «جيسكار ديستان» إلي «فرانسوا ميتران» عن طريق صناديق الانتخاب، وهناك كثير غير ذلك يطول شرحه، ولا مجال للمقارنة، بل ولا داعي للمقارنة، لأن اختلاف مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي لا تسمح به، وإلا كنا مجرد مقلدين، فضلاً عن أنه إذا أردنا أن نكون كذلك، فلا يجوز أن ننتقي ما يصادف هوانا ونعرض عن غيره، لأن التقليد بالانتقاء إجحاف، وإذا لم نكن قادرين علي التقليد في كل شيء، إذن فنلزم ظروفنا صراحة، قائلين إنه لا يكلف الله نفساً إلي وسعها.

    وأعرف أنه قيل لكم - يا سيادة الرئيس - والعهدة علي الرواة - إنه إذا طال ترددكم في قبول رئاسة الحزب، فإن هذا الحزب مُعرّض للانهيار، وكان ذلك في حد ذاته سبباً كافياً كي تُعرضوا عن قبول رئاسته مهما كانت الضغوط.

    إن المفروض في الحزب السياسي أنه يناضل لكي يصنع السلطة، وليس المفروض من حزب أن يتوسل إلي السلطة لكي تصنعه.

    ..........

    * عادت التساؤلات مرة أخري عند تشكيل الوزارة الجديدة.

    كان كل بند من التركة التي ورثتموها أشبه ما يكون بقميص من الحديد يعطل الحركة، بل يكاد يعوقها تماماً.

    الحالة الاقتصادية والاجتماعية بأرقامها المزعجة، ومدلولات هذه الأرقام في حياة غالبية الطبقات - قميص من حديد.

    حالة العلاقات مع إسرائيل - قميص من حديد.

    حالة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية - قميص من حديد.

    حالة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي - قميص من حديد.

    حالة العلاقات العربية - قميص من حديد.

    وبهذه القمصان الحديدية كلها، فقد كان قبول التحدي يتطلب أقوي وزارة في تاريخ مصر، خصوصاً إذا كنا منذ البداية نواجه حالة تمرد عام، عصيان عام في مصر، وقعت في إطارها أحداث حركت الغضب من الاعتقال إلي الاغتيال!

    ولست أقول إن الوزارة الحالية هي أضعف وزارة في تاريخ مصر، ولكني أقول ببساطة إنها ليست أقوي وزارة في تاريخ مصر.

    وأليس ملفتاً للنظر أنه مع تسليمنا جميعاً بأن المشكلة الاقتصادية هي رأس القائمة في أولوياتنا؟، فإن المجموعة الاقتصادية الوزارية تغيرت ثلاث مرات في أقل من سنة واحدة!

    ولقد ضاعف من خطورة هذا الموقف - يا سيادة الرئيس - إحساس الناس بأن مؤسسة الرئاسة، وهي أخطر المؤسسات في نظام رئاسي، تقع أعباؤها عليكم شخصياً، إلا واحداً أو اثنين علي أكثر تقدير من المساعدين، وربما كان - أو كانا - من أخلص الناس لكم، لكني واحد من الذين يرون - بكل الاحترام والتوقير - أن ذلك ليس كافياً.

    إن مؤسسة الرئاسة في الولايات المتحدة - حيث النظام رئاسي مباشر - تضم عشرات من الأجهزة يعمل فيها مئات من أكبر العقول في الولايات المتحدة.

    ونفس الشيء في مؤسسة الرئاسة في فرنسا - وحيث النظام رئاسي برلماني.

    هناك بحكم النظام تقوم مؤسسة الرئاسة بتحديد السياسات التي يمثلها الرئيس بحكم تعبيره عن استراتيجيات العمل الوطني التي أوصلته أصوات الناخبين علي أساسها إلي مقعده في البيت الأبيض أو في قصر الإليزيه.

    ثم إن مؤسسة الرئاسة - بعد تحديد السياسات - تقوم بمتابعتها ومراقبة تنفيذها، وتلك مسؤوليات جسيمة لا يقوم بها إلا جهاز قادر علي متابعة عمل جهاز الحكم في كل المجالات: الاقتصادية والاجتماعية، السياسية الدولية والأمن القومي، العلاقات العامة واتجاهات الرأي العام، دستورية القرارات وقانونيتها. مؤسسة الرئاسة - باختصار - هي محرك الاتجاه العام لسياسة الدولة.

    بل إن نفس الشيء إلي حد ما يحدث - يا سيادة الرئيس - في النظم الملكية الديمقراطية، فمكتب رئيسة الوزراء في بريطانيا جهاز كامل يتحرك حولها.

    وأعرف - يا سيادة الرئيس - طبيعة الحساسيات التي تحيط - أو يمكن أن تحيط - بجهاز كامل وقوي لمؤسسة الرئاسة في مصر. وأعرف أن لديكم شخصياً تخوُّفاً من تكرار ما سمعوه عن تجارب سابقة. لكن الضرورات تفرض نفسها، ثم إن دروس الماضي أمام الجميع، ومن حق الكل - بل ومن واجبهم - أن يستخلصوا منها ما يحقق الهدف الأساسي المطلوب ويتجنب محاذير السوابق في نفس الوقت.

    ولقد تقول - يا سيادة الرئيس - وقد سمعت ذلك مباشرة منكم - إن الوزارة هي نفسها جهاز الرئاسة، ولكن هذه فرط حساسية لا تسمح بها الظروف، لأن المسؤولية عليكم أنتم يا سيادة الرئيس، ولقد حمّلكم الشعب إياها، ليس فقط بعدد الأصوات، ولكن بهذا الإطار المثير للعجب والإعجاب الذي أحاطكم به من أول يوم.

    ولقد حدث فعلاً - يا سيادة الرئيس - أن تقدمت وزارة إلي مجلس الشعب بميزانية فائض وأقرها المجلس.

    ثم تقدمت وزارة أخري - تكاد تكون هي نفس الوزارة - إلي مجلس الشعب بميزانية عجز وأقرها المجلس.

     

     

     


     
    رد مع اقتباس


    Latest Threads By This Member
    Thread Forum Last Poster Replies Views Last Post
    أبرز بنود اتفاق السلام بين إسرائيل والإمارات... شؤون عربية ودولية د. يحي الشاعر 0 171 16th September 2020 03:17 PM
    مصادر في الرئاسة الجزائرية: السراج يقدم استقالته... شؤون عربية ودولية د. يحي الشاعر 0 79 16th September 2020 01:43 PM
    "موانئ دبي" توقع اتفاقية لتطوير موانئ ومناطق حرة... شهود على العصر د. يحي الشاعر 0 131 16th September 2020 01:18 PM
    لا يجوز أن تخضع معركة مجيدة مثل معركة 1956 لنوع... العدوان الثلاثى وحرب 1956 د. يحي الشاعر 0 131 14th September 2020 07:21 AM
    الصراع الحضاري هو ما سيحسم الصراع في الشرق الاوسط شهود على العصر د. يحي الشاعر 0 287 1st September 2020 06:26 AM

    قديم 18th October 2008, 02:24 PM حسام غير متواجد حالياً
      رقم المشاركة : 2
    حسام
    Brigadier General
     






    حسام تم تعطيل التقييم

    حسام's Flag is: Egypt

    افتراضي

    أنا : حسام





    ألف شكر يا دكتور يحيى الشاعر
    بجد الف شكر

     

     


     
    رد مع اقتباس

    قديم 18th October 2008, 02:33 PM د. يحي الشاعر غير متواجد حالياً
      رقم المشاركة : 3
    د. يحي الشاعر
    شاهد على العصر
     






    د. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond repute

    افتراضي

    أنا : د. يحي الشاعر





    اقتباس
    مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسام يوسف
    ألف شكر يا دكتور يحيى الشاعر
    بجد الف شكر

    تكرم عيونك يا باشا



    د. يحي الشاعر

     

     


     
    رد مع اقتباس

    إضافة رد

    مواقع النشر (المفضلة)

    المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزء الثاني

    أدوات الموضوع
    انواع عرض الموضوع

    الانتقال السريع

    المواضيع المتشابهه
    الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
    (3) حول اتفاقية سيناء ، بقلم محمد حسنين هيكل د. يحي الشاعر إتفاقية كامب ديفيد 4 30th March 2019 04:14 PM
    إسرائيل فى إفريقيا .... بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل د. يحي الشاعر شهود على العصر 5 31st May 2013 07:30 PM
    جيهان السادات تهاجم محمد حسنين هيكل د. يحي الشاعر شهود على العصر 2 31st October 2010 01:59 PM
    المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزءالأول د. يحي الشاعر شهود على العصر 0 18th October 2008 02:32 PM
    المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزء الثالث د. يحي الشاعر شهود على العصر 0 18th October 2008 02:06 PM

    Currency Calculator
    RSS RSS 2.0 XML MAP HTML


    Powered by vBulletin® Version 3.8.8
    .Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
    (جميع الأراء والمواضيع المنشورة تعبِّر عن رأي صاحبها وليس بالضرورة عن رأي إدارة منتديات المطاريد)
    SSL Certificate   DMCA.com Protection Status   Copyright  
    منتديات المطاريد   Follow us on Google   لشراء مساحة إعلانية بالمطاريد  

    تنبيه هام

     يمنع منعاً باتاً نشر أى موضوعات أو مشاركات على صفحات منتديات المطاريد تحتوى على إنتهاك لحقوق الملكية الفكرية للآخرين أو نشر برامج محمية بحكم القانون ونرجو من الجميع التواصل مع إدارة المنتدى للتبليغ عن تلك الموضوعات والمشاركات إن وجدت من خلال البريد الالكترونى التالى [email protected] وسوف يتم حذف الموضوعات والمشاركات المخالفة تباعاً.

      كذلك تحذر إدارة المنتدى من أى تعاقدات مالية أو تجارية تتم بين الأعضاء وتخلى مسؤوليتها بالكامل من أى عواقب قد تنجم عنها وتنبه إلى عدم جواز نشر أى مواد تتضمن إعلانات تجارية أو الترويج لمواقع عربية أو أجنبية بدون الحصول على إذن مسبق من إدارة المنتدى كما ورد بقواعد المشاركة.

     إن مشرفي وإداريي منتديات المطاريد بالرغم من محاولتهم المستمرة منع جميع المخالفات إلا أنه ليس بوسعهم إستعراض جميع المشاركات المدرجة ولا يتحمل المنتدى أي مسؤولية قانونية عن محتوى تلك المشاركات وإن وجدت اى مخالفات يُرجى التواصل مع ادارة الموقع لإتخاذ اللازم إما بالتبليغ عن مشاركة مخالفة أو بالتراسل مع الإدارة عن طريق البريد الالكترونى التالى [email protected]