المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزءالأول - منتديات المطاريد
بسم الله الرحمن الرحيم
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) "الزخرف"

منتديات المطاريد | الهجرة الى كندا | الهجرة الى استراليا

 



BBC NEWS

    آخر 10 مشاركات
    حالة من النشوى
    (الكاتـب : حشيش )
    الا كارفور العبور !!!
    (الكاتـب : aymanology ) (آخر مشاركة : sasaasso)
    تحياتي من مسيساجا
    (الكاتـب : somayasaleh ) (آخر مشاركة : حشيش)

    العودة   منتديات المطاريد > تاريخ مصر والعالم > تاريخ مصر > تاريخ مصر الحديث > شهود على العصر

    شهود على العصر

    المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزءالأول


    الهجرة إلى كندا والولايات المتحدة واستراليا

    مواقع هامة وإعلانات نصية

    إضافة رد
     
    أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
    قديم 18th October 2008, 02:32 PM د. يحي الشاعر غير متواجد حالياً
      رقم المشاركة : 1
    شاهد على العصر
     






    د. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond reputeد. يحي الشاعر has a reputation beyond repute

    افتراضي المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزءالأول

    أنا : د. يحي الشاعر




    المقالات المحجوبة للأستاذ محمد حسنين هيكل كاملة - الحزء الأول
    Contributed by زائر on 19-10-1429 هـ
    Topic: محمد حسنين هيكل


    اقتباس




    هذه المقالات التى نحن بصددها الآن هى مجموعة

    من الرسائل التى كتبها الأستاذ إلى مبارك

    وهى دروس سياسية فى غاية الأهمية

    ولكن للأسف الشديد لم يتم تقدير هذا العمل

    وطالب الرئيس بعدم نشر هذه الرسائل فى ذاك الوقت


    المقد متان الأولى والثانية فى هذا الملف، جرت كتابتهما سنة ٢٠٠٣،

    حين جري التفكير في نشر مجموعة المقالات الستة إليكترونيا علي الإنترنت

    ، لكي تكون متاحة للجميع بعد مرور عشرين عاما علي كتابتها،

    ثم رأي الأستاذ هيكل أفضلية الانتظار إلي مناسبة أخري

    ، ومع مرور خمسة وعشرين عاما علي كتابة المقالات الستة

    ، ومع مرور خمس سنوات علي كتابة مقدماتها المستجدة ـ

    فقد بدا أن مناسبة النشر جاء أوانها،

    وقد وقع تعديل علي المقدمات المكتوبة منذ خمس سنوات،

    واقتصر التعديل بالتحديد علي مواقيت الشهور والسنين،




    لكي تتسق مع موعد النشر الجديد ـ الآن يناير سنة ٢٠٠٨.

    ***
    «مكرم» طلبها من هيكل..

    ثم ذهبت إلي رئاسة الجمهورية

    فعادت إلي «هيكل» مع طلب من مبارك بعدم نشرها.

    ***

    هيكل: مبارك منحني رخصة الاتصال المفتوح به..

    ***

    ولكنني لم أستعملها تاركاً له الاتصال كما يشاء وحين يشاء.

    ***

    هذه الرسائل المفتوحة ظلت نصاً مختوماً في أدراجي.. وجاء أوان نشرها.

    ***

    كان الواقع الدامي علي «المنصة» دليلاً علي أن الرهان

    علي أمريكا وإسرائيل لم ينجح وأن خسائره فادحة.

    ظلت توابع الزلزال محسوسة حتي شتاء ١٩٨٢

    حين كتابة هذه الرسائل المفتوحة إلي الرئيس مبارك.




    المقدمة الأولى

    مقدمة عامة لحديث مستفيض!


    كانت الفترة من بداية سنة ١٩٧٤ وحتي بداية سنة ١٩٧٥ - لحظة تاريخية شديدة الأهمية والخطر بالنسبة لمصر وباقي الأمة العربية، لأن تلك الفترة - ما بين اثني عشر إلي خمسة عشر شهراً - انعطفت إلي منحني، وأي منحني علي الطريق - حاداً أو متسعاً - ليس بالضرورة خطأ وليس بالضرورة صواباً، بل إن قياسه يعود باستمرار لحساب وتقدير الدواعي إليه، وبينها تدافع المستجدات وتوالي ردود الأفعال، وتنوع أساليب إدارة الصراع بالمحافظة علي التقدم مع التحسب الواعي للمخاطر والاحتمالات.

    وفي حساب المستقبل وغاياته، فإن البعض منا ينسون أحياناً أن كل اختيار سياسي - أو غير سياسي - هو بطبيعته «رهان» علي احتمالات لها أسباب، وعلي ممكنات لها تقديرات، لأن هذه جميعاً تطرح أمام أصحابها فرصاً تساوي الإقدام، دون أن تكون لديهم تأكيدات تضمن النتائج.

    وليس استخفافاً بالتاريخ استعمال وصف «الرهان» علي الخيارات السياسية وغير السياسية، لأن كل اختيار يتضمن بالقطع درجة - ودرجة كبيرة - من التعامل مع المجهول، بمعني أن أي سياسي يجري تقديراته ويضع خططه بناء علي شواهد - يراها بالبصيرة متاحة - ويستشعر بالحس قدرة شعبه وأمته علي تحمل تكاليف الأمل والعمل في سبيلها - ويتوقع بالحساب أن بلوغها ممكن - كما يعتقد في نفسه بشرعية وأهلية تحمل المسؤولية فيما «راهن» عليه.

    وفي استعمال وصف «الرهان» - فإنه لابد من التفرقة بين رهان «القمار» ورهان «السياسة»، لأن الأول حظ، والثاني حساب، لكن الحالتين تعامل مع «مأمول مطلوب» - ينطوي تحقيقه علي مخاطر عالية في حالة الفشل، وتكاليف غالية في حالة النجاح - وتلك من طبائع تحدي الحياة، لأن المستقبل احتمالات وتقديرات، وإذا توقف القرار عن تحمل «مسؤولية الفعل» فقد مات المستقبل لأنه يصبح لحظة راهنة متجمدة إلي الأبد!

    * * *

    والشاهد أن كل يوم من الحياة رهان علي «مأمول مطلوب»، وهو في اللحظة نفسها غير مضمون - وذلك يصدق حتي في العادي في شؤون الحياة - فكل فرد يبدأ يومه، وهو بالفعل - واعياً أو غير واع - داخل في «رهان» علي السلامة - وفي «رهان» علي مهمة يؤديها - وفي «رهان» علي نتائج يروم تحقيقها، حتي يجد نفسه آخر النهار فاعلاً وفائزاً.

    بل إن بيت كل إنسان في حد ذاته «رهان» فعندما تتفق رغبة رجل وامرأة علي تأسيس حياة مشتركة، فذلك بالتأكيد «رهان»، داعيه ما رآه كل منهما في الآخر فترة التعارف أو فترة الخطوبة - واعتبره بشارة بالرضا والأمل (وذلك «رهان» علي عمر بكامله!).

    وفي الاختيار السياسي، فإن عنصر «الرهان» أكبر، لأن مجاله أوسع، وأهم الأسباب أن العلاقة بين أطراف الرهان والمتأثرين به لا يصل بينها رابط إنساني مباشر، كما هو في أحوال أسرة يسهل عليها أن تتصالح كل يوم قبل النوم، ثم إن قضايا «الرهان» في الشأن العام - خلافاً لشواغل ومشاكل أسرة - مصائر وأقدار شعوب وأمم - ومخاطر حرب وسلام!

    * * *

    وعلي سبيل المثال - وفي التجارب الكبري للشعوب المتقدمة والفاعلة في مسار التاريخ - فإن القرار السياسي وفيه أقدار ومصائر الشعوب والأمم، واحتمالات ومخاطر الحرب والسلام - هو في صميمه «رهان» شديد الصعوبة وبالغ التعقيد، وبالمناسبة فليس صحيحاً أن «رهان» الأقوياء يكون مضموناً إلي درجة تجعل اختياراته محسومة، في حين أن «رهان» الضعفاء يكون مكشوفاً إلي درجة يستحسن معها القبول بـ:«الواقعية» دون «حلم» يلهم - أي بغير «رهان» علي غد أكرم!

    وكتاب التاريخ شاهد أمام الجميع علي أن الخيارات الكبري علي مسار الصراع الإنساني ومسؤولياتها سلسلة من الرهانات لكل الأطراف علي تباين أحجامهم!

    فإن الحرب رهان - والسلام رهان - والمشروعات الكبري سياسية واقتصادية وأمنية رهانات - يضع فيها كل طرف أرصدته علي «مأمول مطلوب» يبحث عن الحق أو التفوق أو التقدم أو الأمن، وذلك جار من بداية القصة الإنسانية إلي نهايتها، هذا إذا كانت للقصة الإنسانية نهاية.

    وكذلك فقد كانت معركة الأمة العربية سنة ١٩٧٣ رهاناً يطلب تحرير الأرض، وقد حشدت الأمة وراء هذا الطلب كل مواردها الإنسانية والمادية، وتولت مصر قيادة فعل الإرادة، حتي جاءت اللحظة التي أصدر فيها الرئيس «السادات» قراره العظيم ببدء المعركة.

    * * *

    ثم حدث وسط نيران الحرب ودخانها، أن الرئيس «السادات» أقبل مسرعاً علي «رهان» تتسع رقعته عن ساحة ميادين القتال، وظنه يومها أنه «الرهان» علي السلام.

    لكن المشكلة الحقيقية أن الرئيس «السادات» بدأ «رهان» السلام قبل أن يتأكد أمامه «رهان» السلاح، وبالتالي فلم تكن لديه الفرصة لتقييم مستوي الأداء العربي غير المسبوق - ثم تستبين أمامه وتطمئنه النتائج الاستراتيجية، لما أمكن تحقيقه في حرب عسكرية محدودة - يمكنها خلق نتائج سياسية غير محدودة.

    وبسبب الدخول إلي «رهان علي السلام» قبل الأوان، فقد وقع المحظور، ذلك أنه إذا كان رهان القمار علي مائدتين في الوقت نفسه خطراً جسيماً، فإن رهان الصراع علي ساحتين في اللحظة نفسها، خطر أشد جسامة، لأن «رهان» السلام له مقتضيات، كما أن «رهان» الحرب له مقتضيات مختلفة، بواقع أن احتياجات كل «رهان» منهما تتعارض مع احتياجات «الرهان» الآخر، خصوصاً إذا كان كلاهما معلقاً بموازين، مازالت تتأرجح في لحظة معينة من الصراع، وأولي ضماناتها اليقظة طول الوقت والتركيز!

    والحاصل أن رهان «السلاح» له شروطه وأحكامه - ومناخه، كما أن رهان «السلام» له شروطه وأحكامه - ومناخه.

    وقد وقع التعارض بين الرهانين واستحكم، حين وجد الرئيس «السادات» نفسه مضطراً - أو متطوعاً - يتعهد في أول رسالة منه إلي «هنري كيسنجر» صباح يوم ٧ أكتوبر «بعد أقل من ٢٤ ساعة علي بدء العمليات العسكرية يوم ٦ أكتوبر» - بأن القوات المصرية «لن توسع جبهة القتال في سيناء، ولن تعمل علي زيادة عمقها».

    كان ذلك التعهد - ربما! - نافعاً لـ«رهان» السلام، لكنه في الوقت نفسه - وأكيداً! - كان ضاراً بـ«رهان» السلاح.

    * * *

    وبالفعل فإن «هنري كيسنجر» استنتج من هذا التناقض بين مقتضيات «رهان الحرب» ومقتضيات «رهان السلام» - تلك اللحظة - عدة فرضيات بني علي أساسها خطته، وخطة إسرائيل فيما بقي من أيام المعركة.

    وكانت استنتاجات «كيسنجر» منطقية بقدر ما هي مزعجة - وقد سجلها صاحبها في كتابه الأخير بعنوان «الأزمة»، الذي صدر في سبتمبر ٢٠٠٣، حاويا نصوص جميع المحادثات التليفونية التي أجراها «بوصفه وزيراً لخارجية الولايات المتحدة الأمريكية» مع كل الأطراف في الفترة ما بين ٥ أكتوبر ١٩٧٣ «قبل نشوب القتال بيوم واحد) ـ وحتي ٥ نوفمبر (حين بدأ رحلته إلي منطقة الأزمة قاصدا حلها، وبادئا بزيارة المغرب).

    كانت أهم استنتاجات «كيسنجر» ـ المنطقية والمزعجة في آن واحد ـ وكما كتبها بنفسه علي النحو التالي:

    أولا: أن الرئيس «السادات» بنص رسالته السرية (عن طريق «القناة الخلفية» لوكالة المخابرات المركزية في القاهرة) قدم له غداة نشوب المعركة صباح ٧ أكتوبر ١٩٧٣ تعهدا مكتوبا «بأن مستوي القتال لن يزيد علي حجمه الحالي اتساعًا أو عمقًا»، وذلك له معنيان:

    ـ المعني الأول: أن العمليات توقفت بعد العبور، ولم تعد هناك نية لتطوير الهجوم علي الجبهة المصرية، بما يتيح لإسرائيل وقتا لاستعادة الزمام بعد مفاجأة عرفت بأمرها قبل وقوعها ـ لكن فرصة توقيتها فاتت، (وكذلك كان في وسع إسرائيل أن تركز مطمئنة علي الجبهة السورية أولا، ثم تعود إلي الجبهة المصرية ثانيا بعد ردع قوات الشمال وردها عن بلوغ بحيرة طبرية ومنها إلي قلب إسرائيل).

    ـ والمعني الثاني أن جبهات القتال العربية التي توحدت بالنار ـ تفرقت بعد يوم واحد من المعركة، لأن القيادة المصرية ـ كما هو ظاهر لها ـ دخلت وحدها في «رهان السلام»، فوق ـ أو تحت ـ مائدة أمريكية ليس عليها الآن ضوء، وليس حولها ـ هذه اللحظة - وهج، أي أنه «رهان سري» بكل ما يتحمله «الرهان السري» من تبعات ـ وذلك شأن أي تحرك في الخفاء أو في العتمة!

    ثانيا: أن الرئيس «السادات» كما هو واضح من مدلول رسالته تصرف دون تنسيق مع السوريين، ومن وراء ظهر السوفيت، ومعني ذلك أنه تخلي عن موقعه الأول، وحول أرصدته إلي مائدة ثانية ـ علي لعبة واحدة، ولم يعد يملك غير الاستمرار فيها، لأنه لم يعد يملك غيرها، وإذا حاول خارج ذلك، فقد انكشف رهانه أمام حلفائه العرب وأصدقائه السوفيت ـ ومعني ذلك في تقدير وحساب «كيسنجر» أن الضغط عليه الآن متاح (إلي حد الابتزاز)!

    ثالثا: وأن ذلك خلق وضعا يمكن استغلاله في السيطرة علي أزمة الشرق الأوسط، باستعمال الرهان المصري المنفرد فوق ـ أو تحت ـ مائدة أمريكية في تثبيت ميادين القتال دون مخاطر ـ والتصرف عسكريا بحرية علي جبهاتها والوصول بالحرب في نهاياتها إلي نتائج تختلف عن بداياتها ـ وعندها يتأكد انفراد الولايات المتحدة بإدارة الأزمة علي نحو يحقق لها ـ ولكيسنجر وإسرائيل ـ كل المقصود أو معظمه.

    * * *

    ربما يكون من باب استيفاء الصورة في هذا الأمر ـ واتصالا بجدل وقع أخيرا عن حقيقة الاتصالات السرية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية وقت معارك أكتوبر، فقد أضيف لعلم من يهمهم الأمر ما يلي:

    ١ ـ أن عدد الرسائل التي جري تبادلها بين الرئيس «السادات» و«هنري كيسنجر» عن طريق هذه القناة السرية، في الفترة ما بين ٧ أكتوبر وحتي ٥ نوفمبر ١٩٧٣، وصل إلي أكثر من تسعين رسالة.

    ٢ ـ أن الرئيس «السادات» بنفسه أملي علي مستشاره للأمن القومي السيد «حافظ إسماعيل» إطار ما يريد إبلاغه لكيسنجر ـ رسالة بعد رسالة ـ سؤالاً وجواباً.

    ٣ ـ أن الذي قام بصياغة الرسائل بحكم وظيفته، هو الوزير المفوض «أحمد ماهر» (الذي أصبح وزيرا للخارجية فيما بعد)، وكان وقتها مديرا لمكتب السيد «حافظ إسماعيل»، وكان ممثل وكالة المخابرات المركزية «جين ترون» و(زميل له خلفه) يحضر لتسلم الرسائل السرية باليد من مستشار الأمن القومي «حافظ إسماعيل» أو من مدير مكتبه الوزير المفوض «أحمد ماهر».

    ٤ ـ وقد أضيف أن توقيع «أحمد ماهر» وبخطه كان مقروءًا علي أعلي الركن الأيسر من كل صفحة في الصورة المصرية، من ملف الاتصالات السرية، وقد رأيت هذه الصفحات بنفسي، وتأكدت منها، بل أكثر من ذلك سألت «أحمد ماهر» مباشرة، وكان الرجل أمينا مع نفسه ومسؤولا!

    والحقيقة أنني عرفت بسر الاتصالات الخفية أثناء رحلة إلي واشنطن سنة ١٩٧٥، ثم حصلت علي نسخة كاملة منها، وأذعت أولاها ضمن حديث صحفي مع جريدة «الأهالي المصرية» سنة ١٩٨٣، وكانت نصوص ومعاني هذه الرسائل قد صدمتني عندما عرفت أمرها، وفيما بعد فقد نشرت المجموعة الكاملة لها في كتاب «السلاح والسياسة» وكان ذلك قبل أن ينشر «كيسنجر» قصة هذه الاتصالات السرية ونصوصها في كتابه «سنوات القلاقل»، ثم يعيد نشرها مرة ثانية في كتابه الأخير «الأزمة».

    أردت هذا الاستطراد للعلم فقط، ولكي نتعرف جميعا علي موضوع ما نتجادل فيه، ومن ثم يلتزم الجميع بقيمة الحقيقة، لأنها الأرقي باستمرار والأعلي.

    ٥ ـ وربما أضيف أن داعي الصدمة، حين عرفت بأمر ملف الاتصالات السرية، مرده أن كل شيء كان مفتوحا أمامي، قبل وبعد حرب أكتوبر، فلم يكن هناك سر يخفي علي، ولعلي أقول ـ دون تجاوز ـ إنني كنت موجودا كل الوقت في أجواء صنع قرار الحرب، والشاهد أن ذلك كان مدلول التكليف ـ الكريم ـ من الرئيس «السادات» بأن أتولي كتابة التوجيه الاستراتيجي الذي يصدر عنه ـ رئيسا للدولة ـ إلي الفريق «أحمد إسماعيل» ـ قائدا عاما للقوات المسلحة ـ بتحديد وتفصيل هدف العمليات العسكرية في معركة أكتوبر ١٩٧٣، ووقتها كانت للفريق «أحمد إسماعيل» طلبات في شأن التوجيه الذي يصدر إليه،

    وكانت حواراته بشأنها كلها معي «وتلك علي أي حال قصة أخري»، وهكذا فقد كان مستغربا أن أفاجأ بموضوع الاتصالات السرية مع إسرائيل، والتفسير المحتمل أن الرئيس «السادات» الذي كان في حالة نشوة مساء ٦ أكتوبر ١٩٧٣ (وله الحق) ـ اعتبر من لحظتها ـ ربما! ـ أنه لم يعد في حاجة إلي حوار أو تشاور مع أحد، وأن شرعيته الجديدة التي صنعها النجاح العسكري للعبور تعطيه هذه الرخصة (وكان ذلك حقه).

    وفي النتيجة فقد كان خطر «الرهان» علي مائدتين أو ساحتين في نفس اللحظة، مزدحماً بالمحظورات، مستعصياً علي الحسابات لأنه:

    * من ناحية ـ يسلب الرهان العسكري ميزة التركيز علي إدارة إمكانياته بالكامل فيما راهن عليه.

    * ومن ناحية أخري ـ فإنه بالرهان السياسي يمنح الطرف الآخر وقتاً يتمكن فيه ـ دون خوف ـ من إعادة تشكيل الحقائق علي الأرض وإعادة ترتيبها قبل أن تبدأ الدبلوماسية في أداء دورها!.

    وذلك ما حدث بالفعل من يوم ٧ أكتوبر ١٩٧٣ إلي يوم وقف إطلاق النار (٢١ أكتوبر ١٩٧٣)، حتي إن خط وقف إطلاق النار علي الجبهة المصرية ذاتها جري اجتياحه (يوم ٢٢ أكتوبر ١٩٧٣)، وحين أعلن «المراهن» المصري غضبه علي هذا الخرق الفاضح لقواعد اللعب، كان في مقدور «هنري كيسنجر» أن يقول للرئيس «السادات:

    «إنه لا لزوم في هذه اللحظة للوقوف بغير فائدة عند خطوط يصعب تحديدها، ومادمنا سائرين إلي فك اشتباك أوسع بين القوات، فإن التمسك بخط ٢٢ أكتوبر والإصرار علي عودة القوات الإسرائيلية إليه ـ تضييع وقت في التفاصيل لا داعي له، خصوصاً أن أحداً لا يستطيع تحديد مواقع ٢٢ أكتوبر بدقة».

    وفي نهاية المطاف، فإن الرئيس «السادات»، وبرغم النجاح المستحق له في رهان العبور بالسلاح ـ وجد رهان السياسة يتحول أمامه إلي رهان قمار، والواقع أنه حين تصرف علي أساس أن ٩٩% من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة ـ فقد كان المعني ـ حتي بالجمع والطرح ـ أن ما تبقي من أوراق اللعبة في يده وفي يد العرب وفي يد بقية العالم ـ لا يزيد علي واحد في المائة، وذلك في حد ذاته، خروج علي قواعد الرهان السياسي، وقيد علي حرية إدارته، قبل أن يتحول المطلوب المأمول فيه، إلي متحقق موجود ـ يؤمن لنفسه ما هو مشروع من أرصدة الفوز!.

    وكان الرئيس «السادات» ـ ومع هذا «الرهان» علي أن الولايات المتحدة تملك ٩٩% من الأوراق ـ قد تعهد في أول لقاء له مع «هنري كيسنجر» (وزير خارجية الولايات المتحدة) يوم ٧ نوفمبر ١٩٧٣ ـ بإجراء تغييرات استراتيجية أساسية في السياسة المصرية وتوجهاتها الداخلية والخارجية.

    وباقتناع لدي الرئيس «السادات» وقتها (وبنصائح ـ ! ـ من ثلاثة ملوك: السعودية وإيران والمغرب)، ثم بتعهدات في المقابل قدمها (الصديق الجديد!) «هنري كيسنجر» ـ فإن تغييرات واسعة وشاملة راحت تجري في مصر، سياسية واجتماعية واقتصادية، ثم إن نتائج هذه التغييرات راحت تؤثر علي تماسك عناصر المجتمع المصري في الداخل وعلي روابط مصر وراء حدودها، فقد تأكد أن مصر سائرة علي طريق تغيير اجتماعي جذري وعلي طريق صلح منفرد مع إسرائيل،

    وبالتالي فإن أوضاع مصر الداخلية، وصلاتها مع محيطها الجغرافي والإنساني والثقافي مكشوفة ومعرضة ـ وزاد علي ذلك أن قبول مصر بتعاون استراتيجي مع الولايات المتحدة، يمكن أن يأخذ الجهد المصري إلي صراعات بعيدة وغريبة عن الصراع العربي الإسرائيلي (وذلك وقع عندما وجدت مصر نفسها تائهة في غابات ومستنقعات القرن الأفريقي (الصومال وإثيوبيا)، وفي غرب القارة مشغولة بأنجولا، وفيما بعد ـ منهمكة (مع شركاء لها) في جهاد باسم الإسلام ضد الإلحاد السوفيتي ـ في أفغانستان).

    وفي تلك الأحوال، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، كان الرئيس «السادات» متنبهاً بحسه الأمني إلي أن «الرهان» علي كل ما استجد ـداخل مصر والإقليم ـ سواء بقناعاته أو بتعهداته ـ مخاطرة تحتاج إلي حماية.

    وفي الواقع فإنه مع بداية سنة ١٩٧٥ كان هاجس الرئيس «السادات» تأمين تحركاته، لأن ذلك شرط «رهانه».

    وظلت عجلة هذا «الرهان» المصيري تدور هادئة أحياناً، محمومة في أحيان أخري، حتي حلت لحظة المأساة الحزينة علي المنصة يوم ٦ أكتوبر ١٩٨١.

    وكان الواقع الدامي علي المنصة دليلاً علي أن الرهان علي الولايات المتحدة ـ وإسرائيل ـ لم ينجح، وأن خسائره فادحة.

    وكانت تلك هي أجواء خريف سنة ١٩٨١، وكان ذلك هو المناخ الذي انتقلت فيه المسؤولية إلي «حسني مبارك» في خريف سنة ١٩٨١، وظلت توابع زلازلها محسوسة حتي بداية شتاء ١٩٨٢، حين كتابة هذه المقالات، أو هذه الرسائل المفتوحة إلي الرئيس الجديد: «حسني مبارك»...




    المقدمة الثانية

    مقدمة لكلام عمره ٢٥ سنة!


    هذه المقالات الستة، المكتوبة سنة ١٩٨٢ لها في الشكل والمضمون قصة يمكن أن تروي، خصوصا وقد جرت ـ وتكررت ـ الإشارة إليها عدة مرات خلال تلك الشهور من خريف سنة ٢٠٠٣ مع استئذاني في الانصراف عن العمل الصحفي المنتظم ـ وإعلاني مع بلوغ سن الثمانين، رغبة في الابتعاد من وسط الساحة أو قرب وسطها ـ ماشيا نحو الحافة دون الوقوع وراء الحافة في الخواء أو في الفراغ (كما كتبت وقتها).

    * * *

    وبداية وعلي وجه الإجمال، فإنني كتبت هذه المقالات الستة بأسلوب الخطابات المفتوحة، موجهة إلي الرئيس «حسني مبارك»، وكتبتها جميعا أوائل أو آخر سنة ١٩٨٢ ـ أي أن عمرها الآن خمسة وعشرون سنة (فهي مكتوبة حينها خريف سنة ١٩٨٢ ـ منشورة الآن أوائل سنة ٢٠٠٨).

    وكانت هذه المقالات أصلا وأساسا لمجلة المصور بطلب من الأستاذ «مكرم محمد أحمد» رئيس تحريرها، الذي أعتبره بمثابة الابن، رغم أن فارق العمر بيننا عشر سنوات، لكن شعور الأب والابن، أو الأب والأبناء، يربطني دائما بجيل من شباب الصحفيين ـ يومئذ ـ شاركوا معي ـ أو شاركت معهم ـ في ذلك الانتقال بالأهرام من قرن إلي قرن، ومن زمن إلي زمن!

    * * *

    وفي تلك الأيام، فقد حدث بعد تجربة سبعة عشر عاما من العمل في الأهرام ـ رئيسا لتحريره ولمجلس إدارته ـ أن تطورات الأحوال السياسية في مصر أدت إلي ظهور واتساع خلاف يصعب الوصول فيه إلي حل وسط، أو صيغة توافق بين الرئيس «أنور السادات» وبيني، وكان موضع الخلاف بالتحديد خيارات الرئيس فيما رافق ولاحق الأداء العسكري الباهر للسلاح في معارك أكتوبر، فقد توصل الرئيس «السادات» في تقديراته للمواقف المستجدة بعد يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣ ـ إلي استنتاجات يتداعي منطقها علي النحو التالي:

    ١ ـ أن نظرية الأمن الإسرائيلي ـ المؤسسة علي تفوق يصعب تحديه عربيا ـ تلقت ظهر يوم ٦ أكتوبر ضربة موجعة أصابتها برضة عنيفة أوشرخ ـ وربما كسر ـ وذلك بسبب المفاجأة الاستراتيجية التي انقضت عليها من جبهتين عربيتين ـ في الوقت نفسه ـ هما مصر وسوريا، ثم مفاجآت أخري صاحبتها، متمثلة في سند تضامن عربي شامل وتعاطف دولي واسع، وذلك كله أدي إلي ظهور حقائق مستجدة لأول مرة علي ساحة الصراع، وترجمة ذلك عمليا أن إسرائيل جاهزة الآن ـ لسلام ـ كامل وعادل، وليس أمامها غير ذلك ـ الآن ـ خيار!

    ٢ـ وأن الولايات المتحدة الأمريكية ـ الآن ـ في عهد إدارة «نيكسون» ـ وقيادة مستشاره الأكبر «كيسنجر» ـ تملك من وسائل النفوذ ـ وحجم الإرادة ـ ما يكفي لفرض حل «معقول» علي إسرائيل، وذلك يضع ٩٩% من أوراق قضية الشرق الأوسط في حوزتها ـ دون غيرها (بلا حاجة لأطراف أخري).

    ٣ـ أن الاتحاد السوفيتي لم يعد له موقع علي خريطة الأحداث في هذه المنطقة، لأن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعرقل أي جهد سوفيتي ـ وفي الوقت نفسه فإن أوروبا الغربية (وقتها) لا تملك في شؤون العالم كلمة نافذة ـ ( ومن ثم فهي الولايات المتحدة ولا أحد سواها، لأنها وحدها «الآن» ـ فعل المستقبل، والآخرون جميعا من أفعال الماضي).

    ٤ ـ وبهذه التقديرات فإن الولايات المتحدة والسلام، الذي يمكن أن ترعاه في المنطقة قادمان ـ و«الآن» ـ مثل قطار مندفع بأقصي سرعة فوق القضبان، مكتسحا في طريقه كل عائق، وعليه ومن باب السلامة، فإنه يتعين علي مصر أن تقفز إليه ولو بحل سريع مؤقت ـ وفق ما ينصح به «كيسنجر» ـ ثم إن بقية الدول العربية المشاركة في الصراع العربي الإسرائيلي ـ تستطيع أن تهرول إذا شاءت وتلحق قبل فوات الآوان، تتشعلق بآخر مركبة في القطار ـ إذا استطاعت!

    ٥ ـ إن ذلك ما يشير به أقرب الناصحين ـ «الآن» ـ للرئيس «السادات»، وهم الإمبراطور «محمد رضا بهلوي» شاه إيران، والملك «فيصل بن عبدالعزيز» ملك السعودية، و«أمير المؤمنين» الحسن الثاني ملك المغرب، إذ التقي إجماع الملوك الثلاثة علي أن الفرصة حانت للخروج من تيه الصراع العربي الإسرائيلي، وإلا فإن استمرار تفاعلاته في مناخ مأخوذ بنشوة انتصار عسكري محقق ـ قد يرفع سقف مطالب «الدهماء»، بما يؤدي بالمنطقة إلي حالة فوران تطلب «التغيير»، وتهدد «الاستقرار» وتهز «القيم» (أو لعلها تهز «القمم»).

    ٦ ـ وبناء علي هذا ـ الإجماع الملكي ـ فإنه لا الوقت ولا الظروف تحتمل التلكؤ بعد «الآن»، بل إن الملوك بدوا واثقين أن مقتضيات السلامة (علي الأرجح لأنفسهم) تستوجب المبادرة السريعة إلي العمل علي عدة اتجاهات، أولها: فك التعبئة النفسية والاقتصادية والعسكرية ـ وثانيها: مد الجسور متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية ـ( وثالثها: بدء التهيئة النفسية لعلاقة من نوع مختلف مع إسرائيل ـ والرابع: توجيه نظر الناس واهتمامهم إلي وعد برخاء غير مسبوق تمكن منه فوائض النفط، وتيسر له مساعدات أمريكية علي طريقة «مشروع مارشال»، الذي أدي إلي انتعاش أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك تكون معارك أكتوبر آخر الحروب (نهاية للصراع ووداعا للسلاح).

    وبوحي من هذه الاستنتاجات العامة في البداية ثم المحددة أكثر مع التطورات! ـ فتح الرئيس «السادات» خط اتصال مبكراً من صباح يوم الأحد ٧ أكتوبر ١٩٧٣، برسالة منه إلي «كيسنجر» رد عليها وزير الخارجية الأمريكي فورا، بما فهم منه الرئيس «السادات» لحظتها أن إسرائيل (وإدارة نيكسون معها) تلقوا رسالة السلاح وفهموا مغزاها، مستوعبين دلالتها الاستراتيجية التي حملتها قوة المفاجأة العسكرية والتحالف السياسي العربي والدولي المساند لها.

    ولم تكن رسالة «كيسنجر» صادقة لا في النية ولا في القول، لأن القوي الواعية لحركة أي صراع ـ وعندما تضربها المفاجآت، يكون أول حرصها ـ ومن باب التحوط المبدئي ـ إجهاض خطط وأفعال الطرف الآخر، لكي تثبت ـ له وللجميع ـ عقم ما قام به وقلة جدواه، وتؤكد له ـ وللجميع ـ أنه غير قابل للتكرار بدليل إجهاضه قبل تمام ولادته، ثم إنه بعد إجراء الإجهاض (وربما الإقناع بعقم الحمل تحت أي ظروف) ـ ينفتح المجال واسعا لحقائق القوة تعود لتأكيد سطوتها!

    والمنطق هنا واضح وفكرته مستقرة في استراتيجيات الصراع، ملخصها أنه إذا استطاع عدو أن يحرز مفاجأة في صراعه ضد طرف آخر، فأول ما ينبغي علي الطرف المفاجأ أن يفعله، هو إلغاء أثر المفاجأة قبل أي «كلام»، بحيث يعود الوضع إلي ما كان عليه قبلها، ومن ثم يتمالك الطرف المفاجأ أعصابه، ويعيد تثبيت تفوقه، وبعد ذلك ـ وليس قبله ـ يجيء الوقت لمد حبال الاتصال والمحادثات والمفاوضات إلي آخره!

    * * *

    وعلي أي حال ـ وربما كنت مخطئا ـ فإنني لم أكن ـ فكرا أو رأيا ـ علي اتفاق مع استنتاجات الرئيس «السادات»، سواء في ذلك ما توصل إليه بنفسه، أو ما صادف هوي عنده فيما سمع من ملوك المنطقة (وهو يعتبرهم خبراء مجربين!)، ولم يظهر مجال لحل وسط بيننا، لأن استنتاجات الرئيس «السادات» تحولت عنده إلي خيارات ثم قناعات ونظريات تقوم عليها سياسات ومبادرات موجهة إلي الولايات المتحدة الأمريكية، مقدمة ونتيجة ـ أو بداية ونهاية!

    وراحت الطرق تتباعد، وكان لابد أن أترك موقعي في الأهرام، فالرجل رئيس الدولة المنتخب في استفتاء عام، وهو الذي يملك سلطة القرار، فضلا عن أن خياراته تلك اللحظة الزمنية المضطربة تحظي بدرجة ظاهرة من الشرعية، لأن وهج الأداء الباهر عند جسور العبور ـ عبر قناة السويس وفوق هضبة الجولان ـ سحب الأنظار بالكامل عما كانت السياسة تمارسه بعد أن بدأ السلاح افتتاحيته المجيدة يوم ٦ أكتوبر وبعده!

    وكان منطقيا أن أتحمل المسؤولية فيما فكرت ورأيت، بما فيه احتمال الخروج من الأهرام، والابتعاد عن محيط الصحافة المصرية بأسره ـ باعتبار سيطرة الدولة عليها ـ وقد حدث!

    ولم يكن ذلك كل شيء، بل زاد عليه أن العلاقات بين الرئيس «السادات» وبيني تعقدت عندما واصلت إبداء رأيي بالنشر خارج مصر، ملتزما بالأدب والموضوعية من أسباب معنوية ـ وحتي عملية:

    ـ بينها أن معارضة سياسة رئيس الدولة في حد ذاتها لها مقتضياتها من اللياقة.

    ـ وبينها أن صوت الخلاف مع وجود صاحبه مقيما داخل وطنه تحت سلطة رئيس الدولة، وسطوة قوانينه العادية والاستثنائية ـ كفيل بضبط الحوار (مع أن مثل هذه الكفالة العملية لم يكن لها تأثير كبير علي موقفي).

    ـ وبينها أن دواعي الخلاف كانت رؤي المستقبل لشعب وأمة، ولا يجوز فيها إلا ما هو موضوعي ومحدد ومسؤول، لأن الأمر كما قلت بالنص وقتها «يفرض علي كل مواطن أن يقف ليحدد مكانه ويرفع صوته واضحا صريحا دون تردد أو لعثمة في الحروف والكلمات!».

    وحلت فترة خشنة وصلت بي ـ مع صحبة طيبة ـ إلي سجن طرة ضمن اعتقالات ٣ سبتمبر ١٩٨١، وكانت تلك ذروة أحداث جسام بلغت حد المأساة باغتيال الرئيس «أنور السادات» يوم ٦ أكتوبر ١٩٨١، وكان اغتياله مبعث أسي شخصي وإنساني رغم وجودي لحظتها وراء قضبان سجنه، فلم يكن في مقدوري نسيان أن الرجل كان صديقا لزمن طويل، وأنني عرفته وقامت بيننا مودة صادقة وألفة حميمة، ثم إنني لأكثر من ثلاث سنوات- خصوصا أثناء مرحلة التحضير لحرب أكتوبر- كنت وفق قوله في حديث صحفي- وهو وقتها صحيح- «أقرب الأصدقاء إليه».

    * * *

    وبعد خروجي- وخروجنا جميعاً- من المعتقل، شاء الرئيس الجديد- حسني مبارك- أن يكون الإفراج عنا من أحد قصور الرئاسة، وكذلك دعانا للتوجه من سجن «طرة»- كي نلقاه في قصر العروبة، ومن هناك خرجنا إلي عالم الناس، ولا أقول عالم الحرية، لأن وضع رجل في سجن السلطة قد يحجب السجين عن حرية الفعل والحركة، لكنه لا يحرمه حرية الفكر والإرادة، وربما دلت علي ذلك واقعة جرت يومها في السجن، فقد حدث حين أعلن عن ترشيح «حسني مبارك» للرئاسة خلفا لأنور السادات، أن زار السجن أحد المستشارين الذين ادعوا «الوصول»، وقدم ذلك الزائر نفسه مبعوثا خاصا يحمل رسالة مهمة، وطلب مقابلة ثلاثة من المعتقلين اعتبرهم- من منظوره - ممثلين لتيارات سياسية وفكرية مؤثرة، وكان الثلاثة هم الأستاذ «فؤاد سراج الدين»، والأستاذ «فتحي رضوان»، وكنت الثالث!

    وجاءت الرسالة التي ألقاها زائرنا في السجن علي كل واحد عندما التقاه علي انفراد في مكتب مدير السجن (المقدم «محمود الغنام» ساعتها)- بما مؤداه «أن نكتب رسالة تأييد لترشيح «حسني مبارك» رئيسا للجمهورية، ويكون من ذلك إعلانا عن حسن نوايانا- تمهيداً للإفراج عنا- عائدين إلي بيوتنا».

    ومن المدهش أننا- الثلاثة- وبدون تنسيق، وبدون معرفة مسبقة بمجيء رسول من خارج السجن، وبدون استعداد لسؤاله كل منا منفردا معه في مكتب مدير السجن، أجبناه بنفس المنطق، بنفس الألفاظ تقريبا، وبما مؤداه: «إن أي تأييد منا لترشيح الرئيس الجديد من وراء القبضان، مشوب ومعيوب- لا يليق بنا ولا يليق به، وإنه حتي لو خطر علي بال أينا تزكية «مبارك»- تحسبا ودرءا لمخاطر دهمت هذا الوطن باغتيال رئيسه السابق- وبظواهر إرهاب مسلح تفجرت نذره في صعيد مصر- فإن هذه اللحظة وهذا المكان، هما آخر لحظة وآخر مكان يقبل فيهما رجال يحترمون فكرة الشرعية ذاتها- تزكية أي مرشح لأي منصب».

    ومن حسن الحظ أن ذلك «الرسول» ذاب فيما بعد، ولم يظهر له أثر، «وقيل لنا إن قرار الإفراج كان جاهزا من يوم ٢٢ أكتوبر، «لكنهم نصحوا الرئيس الجديد بتأخير تنفيذه حتي انقضاء يوم الأربعين علي جنازة الرئيس «السادات»).

    وعلي أي حال فقد وقع الإفراج عنا- كما أسلفت- وبعد الأربعين- من قصر العروبة في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر ١٩٨١.

    * * *

    وكان لنا في الساعة التي قضيناها مع الرئيس الجديد حوار مفيد، ثم جري بعدها بأيام أنني دعيت إلي لقاء منفرد معه، ودار بيننا حديث تواصل ساعات، وتفضَّل الرئيس فأمر بإلغاء عدة مواعيد تالية له، لأن لقاءنا استمر- برغبته الكريمة- من الثامنة والنصف صباحا إلي الواحدة والنصف بعد الظهر!

    وأظن دون إفشاء لسر أنني طرحت أمام الرئيس الجديد بعضا من خواطري وهواجسي، وتفضل من جانبه فأشار بأن نظل علي اتصال، ورأي إعطائي أرقام تليفوناته المباشرة وغير المباشرة لأطلبه «في أي وقت» وقلت له- بينما أحد ضباط سكرتاريته الخاصة يناولني ورقة عليها أرقام ثلاثة تليفونات- «إنني شديد العرفان لكرمه، لكني أستأذنه مبكرا إلي أنني لا أنوي استغلال هذا الكرم»، وعددت أسبابي، وفيها:

    - أن تقديري لقيمة وقته حقيقي وبدون حساسية، وفي تجربتي المباشرة سابقا فإني عرفت عن قرب أثقال الرئاسة وأعباءها أكثر من عشرين سنة سواء مع «جمال عبدالناصر» (سبعة عشر عاما)، أو مع «أنور السادات» (قرابة أربع سنوات).

    - ولأني لا أعرف طبيعة تقسيمه لوقته ولا ترتيب مواعيده- فإني لا أريد المجازفة بطلبه حين يخطر لي، بينما يكون هو مرتبطا بشيء آخر في إطار برامجه وشواغله، وفي كل الأحوال فإن كل الناس رهن إشارته حين يشاء.

    - إنني بصدق لا أريد أن أكرر التجارب، لأن تكرارها مع تغير الأزمنة ليس مطلوبا، فهناك حقيقة أن لكل عصر هويته ومرجعيته- بمقدار ما أن لكل عصر سياساته وتوجهاته، وأنه ما من مشهد في العمل العام أسوأ من صورة رجال كل العصور، ودعائي إلي الله أن يحمي مصر منهم- ويحميه!

    - وأخيراً فإنني أخشي مسبقاً أن آرائي تختلف عن مجمل التوجهات السياسية العامة في السنوات الأخيرة- وفي حين أن هذه التوجهات سوف تكون ماثلة في اعتباره مع كل اختيار، فإنني في الغالب سوف أكون من رأي قد يختلف، فإذا ألححت عليه بما أري كل مرة- إذن فقد أتجاوز اعتباراته أو محدداته، بل وقد أبدو في كثير مما أقول به- رجلا «لا يعجبه العجب» (كذلك قلت).

    وبالفعل فإنني مع اعتزازي برخصة الاتصال المفتوح بالرئيس- لم استعمل هذه الرخصة، تاركا له- وقد سبق بكرمه- أمر الاتصال كما يشاء وحين يشاء- (وكذلك كان).

    ومر عام كامل.

    * * *

    وفي سبتمبر ١٩٨٢ تفضل الأستاذ «مكرم محمد أحمد» وطلب مني أن أكتب للمصور رأيي في إطار مناسبات تجمعت مع بعضها: سنة من رئاسة «حسني مبارك»- وسنة من التحولات والتغييرات خلالها- وسنة بعد خروجنا من السجن.

    وفكرت ثم اخترت- لسبب يتضح داعيه من سياق النصوص- أن أكتب ما أريد علي شكل خطابات مفتوحة موجهة إلي الرئيس «حسني مبارك» وكذلك بدأت الكتابة أوائل أكتوبر سنة ١٩٨٢، وفرغت من ستة مقالات اخترت أن أسلمها للأستاذ «مكرم» مرة واحدة، مجموعة متكاملة مترابطة- مع أوائل نوفمبر ١٩٨٢.

    لكنني وأنا أعرف الأستاذ «مكرم» وأدرك دقة التزامه المهني، وأقدر تمسكه بالأصول المرعية، رجوته ملحا ألا ينفرد في نشر هذه المقالات بقرار، فقد خشيت أن يتحمل بنشرها أكثر مما يلزمه، وأثقل مما أرضي له، وذلك أنني أستطيع- عن نفسي- قبول مخاطرة الطيران خارج «السرب»، لكنه- من جانبه- ليس مطالبا بنفس المخاطرة.

    وتسلم الأستاذ «مكرم محمد أحمد» مني مجموعة المقالات الستة أوائل نوفمبر ١٩٨٢، واستمع- مترددا- لما رجوته وسألته فيه من ضرورة ألا ينفرد في النشر بقرار.

    ومضت ثلاثة أسابيع حتي تلقيت اتصالا تليفونيا من المستشار «أسامة الباز» مقترحا أن يدعو نفسه علي العشاء معي أي يوم «هذا الأسبوع»، وتحمست، فالرجل زميل قديم- عملنا معا سنوات طويلة سواء أثناء وجودي في الأهرام، أو عندما اسند إلي- في ظرف سياسي معين- منصب وزير الإعلام- ثم أضيف إلي منصب وزير الخارجية بالنيابة. وبصرف النظر عن الزمالة الطويلة- فإن «أسامة الباز» ظل- رغم تباعد المسافات- رجلا قادرا علي إقامة علاقات واسعة، محافظاً علي جسور مفتوحة وطرق واصلة.

    واتفقنا بالفعل علي موعد للعشاء «مساء غد» في بيتي وحين جاء ومعه قرينته يومها السفيرة مها فهمي لاحظت من أول نظرة أنه يتأبط رزمة كبيرة من الأوراق تعرفت عليها، لأنها كانت نفس الرزمة التي سلمتها (داخل مظروف) إلي الأستاذ «مكرم محمد أحمد» ـ أي مجموعة المقالات التي كتبتها لـ «المصور».

    وصحبت «أسامة الباز» إلي مكتبي في نفس الطابق وهو ملاصق لمسكني، كي يتخلص علي الأقل من حمولته، سواء في ذلك رزمة المقالات التي يحملها تحت إبطه أو أي طلب في شأنها ينتظر علي طرف لسانه ـ قبل أن نجلس إلي مائدة العشاء.

    * * *

    ولم يكن هناك داع لمقدمات، لأن رزمة الأوراق التي استقرت أخيراً علي مكتبي طرحت موضوعها، وملخصه:

    ـ أن هناك خشية من أن النشر قد يسبب حرجاً في هذه الظروف (وقتها)!.

    ـ أن هناك «رجاء» بتأجيل النشر خارج مصر (كما في مصر أيضاً).

    ـ أن الأمر في النهاية متروك لي.

    ولم يأخذ الموضوع مني تفكيراًيقصر أو يطول، بل صدر ردي عفوياً وطوعياً ـ مضمونه: «إنني آخر من يريد أن يتسبب في إحراج من أي مقدار أو أي نوع في هذه الظروف، وبالتالي فسوف تنام هذه المقالات في درج مكتبي، حديثاً مؤجلاً إلي «يوم آخر»! ـ وفي خارج مصر كما في داخلها!».

    وأبدي «أسامة الباز» دهشته قائلاً: «يظهر أن الرئيس يعرفك أكثر مني، ذلك أنني حين عبرت له ـ بمعرفتي الطويلة لك ـ عن الشك في قبولك لما نطلبه منك»، رد علي بقوله: «اذهب وانقل عني واترك الموضوع لتقديره» ـ والذي أدهشني أنك استجبت بهذه السرعة، لكنه كما قلت لك «يبدو أنه يعرفك أكثر مني».

    ومرت الأيام ومضت ٢٥ سنة كاملة ـ ربع قرن ـ

    * * *

    وفي سبتمبر وأكتوبر سنة ٢٠٠٣ ورد حديث هذه المقالات الستة المحجوبة، مع مناسبة «استئذاني في الانصراف» عن الكتابة المنتظمة في ذلك الوقت، ثم تكرر الكلام وزاد وتداولته وتناولته الألسنة ـ سؤالاً وجواباً ـ في حوارات صحفية وتليفزيونية.

    وخطر لي وقتها ـ أن ذلك «اليوم الآخر» ربما جاء أوانه، لأسباب متعددة:

    أولها: ألا يظل حول هذه المقالات لغط أو لغز، خصوصاً أن بعض وسائل الإعلام راحت تبحث وتتقصي، وقد يصبح موضوع هذه المقالات مجالاً لنصوص مغلوطة أو منقوصة (وشيء من ذلك حدث!) لأنه وإن كان الأصل الذي سلمته للأستاذ مكرم محمد أحمد، وعادإلي علي أصله مع المستشار أسامة الباز إلا أنني أعرف أن صوراً عديدة من مجموعة المقالات الستة جري طبعها وتداولها علي نحو أو آخر.

    ثانيها: أن أحوال الأمم لا تنقض من الفراغ، وإنما هناك ـ للمشاكل والأزمات ـ مقدمات وبدايات، وبالتالي فإن ما هو واقع اليوم سبقته إشارات ونذر.

    ثالثها: أن هموم هذا الوطن لم تكن سراً، بل تحدث كثيرون عنها بما رأوا في وقته وأوانه، ولم يهمسوا أو يوشوشوا وإنما كتبوا بصراحة ـ وباحترام، ووصل ما كتبوه إلي علم المعنيين به وهم ـ كانوا ومازالوا ـ أصحاب القرار والسلطة، حتي وإن لم يعرف به عموم الناس.

    وربما كانت هناك أسباب أخري، لا تغيب ولا تخفي.

    ومع ذلك فإنني مرة أخري ـ آثرت أن أنتظر.

    * * *

    وقلت عندما استأذنت «في الانصراف»، أن ذلك الانصراف ليس اعتزالاً لشواغل الدنيا وهموم الناس، وليس غياباً عن الأحداث هجرة أو هرباً، إنما وصفته بأنه ابتعاد عن وسط الساحة أو بقربه ـ بعيداً نحو الحافة أو بجانبها، دون السقوط في الظلام وراء الاثنين، بل وفصلت ـ فيما عرضت ساعتها بـ «أنني سوف أنشر ملفات ومجموعات أوراق وكتب، وربما ظهرت في حلقات تليفزيونية تتعرض لما كان وما يكون».

    وإزاء إلحاح حوادث، وكذلك أصدقاء، فقد وافقت أخيراً وفي إطار هذا السياق أن أبدأ بملف يضم تلك المقالات الستة ـ التي حجبها طلب رقيق من هناك وقبول طوعي من هنا ـ منذ سنة ١٩٨٢ ـ لكي تظهر وتنشر بنصوصها وعباراتها وكلماتها ـ كما كتبتها من ربع قرن ـ ثم تضع نفسها تحت النظر والفحص!

    وعندما باشرت التنفيذ فقد رأيت ألا أغير شيئاً مما كتبت (لا الإطار ولا السياق ولا الوقائع ولا الآراء) ـ بالتزام أن تلك المقالات الستة نص مختوم في حينه، وهنا قيمته كبرت أو صغرت.

    وتبدي لي أن مرور الأيام واختلاف الأجواء وابتعاد الحوادث ربع قرن من الزمان، يقضي بأفضلية أن يكون هناك تمهيد مختصر ومنفصل لكل مقال، قصده استعادة مناخ ما كان لحظتها، بحيث تظهر «مواضع» الكلام وتبين معالمه وسط زمانه.

    وكذلك كتبت تمهيداً عاماً مستقلاً للملف بكامله، ثم قدمت لكل فصل فيه بإشارة محددة تلفت النظر إلي ما فيه زماناً ومكاناً.

    * * *

    وعلي أي حال فقد وجدت مناسباً أن أضع هذه المقالات الستة علي شكل كتاب إلكتروني علي شبكة الإنترنت لعدة أسباب:

    ـ الأول: إنني مازلت ملتزماً بـ «الاستئذان في الانصراف» عن الكتابة المنتظمة، ومع أن هذه المقالات الستة قديمة في زمن كتابتها منذ خمسة وعشرين سنة، إلا أنها جديدة بالإفراج عنها من أدراج مكتبي لنشرها الآن (سنة ٢٠٠٨) ـ ومن الممكن أن يؤدي ظهورها ورقياً إلي وقوع التباس بين ما قلته سابقاً ويبدو أنني أفعله الآن، بينما واقع الحال أنني لا أكتب جديداً، وإنما أنشر لأول مرة قديماً وقعت كتابته قبل ربع قرن! ـ (رغم أنني أقدر أن ما هو مفتوح إلكترونياً يمكن أن يصبح متاحاً ورقياً في نفس اللحظة! ـ ورغم أنني احتفظت لنفسي بالحق دائماً في الكتابة إذا طرأ طارئ يدعوني لها!).

    ـ والثاني : أن هناك عالماً مختلفاً للنشر الإلكتروني علي شبكة الإنترنت فرض نفسه منذ سنوات علي الوعي العام، وقد أصبح مجاله محيطاً بلا شواطئ إلي درجة أسطورية، وهذا المحيط يتسع للقديم وللجديد معاً، وقد خطر لي أن أجرب عليه قديماً ـ جديداً ـ وأتعرف إلي سطحه وعمقه «ولو علي كبر»!.

    وكذلك تركت هذه المقالات الستة تخرج للناس من باب غير مألوف بالنسبة لي، إلي قارئ غير محدد في محيط لا يستوعبه خيالي!.

    * * *

    وبقي ظني خلال ذلك أنني التزمت بما وافقت عليه إلي الحد الذي كان مرغوباً فيه وزيادة، فلم أكن وقتها ـ ولا الآن ـ أريد إحراجاً من أي درجة لأي طرف ـ ذلك أن محاولتي باستمرار موصولة بالتزام حد الأدب، ومعه حد الواجب ـ الأول يفرضه شرط الأخلاق، والثاني يفرضه شرط الحقيقة!.





    المقال الأول

    الرهان علي «مبارك»


    تمهيد



    هذا التمهيد كتب في شهر نوفمبر ٢٠٠٣

    كان «الهاجس الأمني» شاغل الرئيس «أنور السادات» في الفترة ما بين ١٩٧٤ وسنة ١٩٨١، خصوصاً أنه كان يستشعر حجم وعمق التغييرات التي يريد إدخالها علي استراتيجية العمل المصري في الداخل، وفي الإقليم، وفي العالم (وإلي حد كبير فإن ما تغير وقتها في مصر وفي المنطقة حسم إلي درجة مؤثرة نهاية الحرب الباردة بين القوتين الأعظم حينئذ: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي).. وكذلك كان شاغل الرئيس «السادات» في تلك الفترة هو تأمين حكمه ونظامه وتوجهاته الجديدة، كما كان هناك آخرون يحملون نفس الهم معه، وشاغلهم جميعاً تأمين وكفالة الاستمرار حتي تستقر التغييرات الجديدة وتترسخ!

    وهكذا فقد كان هناك تحفز عام ضد أي مقاومة أو معارضة في الداخل أو في المحيط الإقليمي (العربي) أو ما هو أوسع منه. والذي جري فعلاً أن الرئيس «السادات» وجد نفسه أمام مجموعة من الرهانات في الخارج وفي الإقليم وفي الداخل -لم تحقق مأمولها ومطلوبها- ثم زاد علي ذلك ما اكتشفه في زيارته الأخيرة لواشنطن (أبريل ١٩٨١) من أن الرئيس الأمريكي المنتخب «رونالد ريجان» لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن تعهدات سلفه «جيمي كارتر»، بمعني أن «ريجان» ليس مهتماً بذلك «الرهان» الذي وضعه الرئيس «السادات» علي مائدة كامب دافيد -بقصد مساعدة «كارتر» انتخابياً، علي وعد بأن يرد له الجميل إذا نجح، فيباشر بالضغط علي إسرائيل كي «تتهاود» و«تلين»، ومن ثم تصبح التنازلات متوازية، لكن رهانات «كامب دافيد» ضاعت كلها واحداً بعد الآخر:

    * من ناحية خسر «كارتر» - ونجح المرشح الجمهوري (القادم من مدرسة السينما في هوليوود)، ودخل إلي المكتب البيضاوي في البيت الأبيض فعلاً علي مقعد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (يناير ١٩٧٧)، في حين خسر «كارتر» ولم يعد في مقدوره أن يرد للسادات جميله (علي فرض أن تلك كانت نيته).

    * ومن ناحية ثانية خسر «إسحاق رابين»، الذي كان الرئيس «السادات» قد راهن علي نجاحه في الانتخابات الإسرائيلية (مارس ١٩٧٧).

    وقد أدرك الرئيس «السادات» في الإسكندرية (يوليو ١٩٧٧) - وبعد أول لقاء بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد «مناحم بيجين» - أنه لن يحصل منه علي شيء، والظاهر أن الاستنتاج الوحيد الذي توصل إليه هو أن «قبضة من حديد» أصبحت لازمة لقمع المعارضة المتزايدة «لمبادرة السلام» أو مغامرة النزول علي سطح القمر (في القدس) كما شاع التعبير أيامها!

    * ومن ناحية ثالثة فإن العالم العربي، علي اتساعه، تصاعد شعوره بالإحباط موجة عاتية تطغي علي ما بقي من دور وعطر نصر أكتوبر الذي كان بالفعل ملكية مشاعة للجميع.

    وفي داخل مصر ذاتها كان الشعور بالمرارة قاسياً منذ قسوة التعامل مع مظاهرات يومي ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧، والتي كانت آخر وقفة للطبقة المتوسطة التقليدية في مصر.

    وأخيراً حلت الكارثة الكبري حين تدافعت الحوادث من اعتقالات سبتمبر ١٩٨١ - إلي اغتيالات ٦ أكتوبر ١٩٨١.

    وفي لحظة مشحونة بالخطر علي مصر فإن دواعي السلامة الوطنية تخطت غيرها من الاعتبارات، ولعلها استنفرت وعي كل الناس كي يحيطوا بالرئيس الجديد حتي تمر الأزمة، وكذلك أمكن تفادي الفتنة والفوضي.

    بالإضافة إلي ذلك، فقد كان هناك اعتبار أن القوات الإسرائيلية مازالت في أطراف سيناء، وانسحابها مقرر بمقتضي الاتفاقيات بعد ستة شهور - أي في أبريل سنة ١٩٨٢، وكانت دعوي النظام أن اسكتوا جميعاً حتي لا تتخذ إسرائيل من أي «شوشرة» في الداخل حجة لتأخير الانسحاب، وقبل الجميع دون مناقشة مراعاة اعتبارات عليا لها الأسبقية علي أي اجتهاد.

    وكانت تلك «بداية رهان» علي «حسني مبارك».

    وفي تلك الظروف المفعمة بالاحتمالات، التقيت مع آخرين غيري بالرئيس الجديد لأول مرة منقولين إلي قصره من غياهب السجن، خارجين من لقائه إلي متسع الحياة، ثم كان أنه تفضل بدعوتي للقائه وحدنا بعد أيام، ثم مضي عام حتي كتبت هذه المجموعة من المقالات لمجلة «المصور» بطلب رقيق من رئيس تحريرها ذلك الوقت، وكانت كتابتها في نوفمبر ١٩٨٢، وها هي تنشر ٢٠٠٨- وهذا أولها.

    «من ١٩٨٢ حتي ٢٠٠٨ »..خطاب مفتوح إلي الرئيس «حسني مبارك»

    نوفمبر ١٩٨٢

    سيادة الرئيس

    لقد مر عام كامل علي ذلك اليوم الذي تفضلتم وأمرتم فيه بالإفراج عن الدفعة الأولي من المعتقلين الذين ازدحمت بهم السجون، ضمن إجراءات تلك العملية الغريبة في تاريخ مصر الحديث، والتي تطوع البعض -سامحهم الله- وأطلقوا عليها وصف «ثورة ٥ سبتمبر ١٩٨١»!

    كان لي الشرف أن أكون واحداً من المعتقلين في هذه العملية.

    وكان لي الحظ أن أكون واحداً من أفراد الدفعة الأولي بين المُفرج عنهم.

    ورأيتم يا سيادة الرئيس -وكان صواباً ما رأيتم- أن يكون الإفراج عملاً سياسياً وليس تصرفاً إدارياً - لتكون منه إشارة وبشارة، وهكذا فإن الذين أخذوا من بيوتهم بعنف السلطة عند منتصف ليل ٣ سبتمبر ١٩٨١ - أفرج عنهم بلطف نفس السلطة في عز الظهر يوم ٢٥ نوفمبر ١٩٨١، ومن مكتب رئيس الجمهورية، بعد لقاء كريم معه.

    وفهمت مصر كلها معني الإشارة ووافقت، وهدأت خواطرها بالبشارة وانتظرت.

    * * *

    وأتذكر -يا سيادة الرئيس- أنني حين خرجت من مكتبكم مع بقية زملاء وأصدقاء تلك التجربة المثيرة، وجدت ممثلي الصحافة العالمية المكلفين بمتابعة أحداث مصر يحيطون بي ويركزون علي، ولعل اهتمامهم كان تعصباً من أبناء المهنة الواحدة لبعضهم، أو انعكاساً لعطف واسع مبعثه أن عمل أي كاتب جزء من شواغل قرائه.

    وأتذكر أنني سُئِلت تلك اللحظة - وكانت الحوادث مازالت ساخنة والمشاعر التي أثارتها جياشة - عن رأيي فيما جري وسوف يجري.

    ورويت للسائلين جزءاً مما سمعناه منكم قائلاً:

    «إن الرئيس تحدث إلينا بأمانة عن أولوياته: قضية الأمن - وقضية العلاقات مع العالم العربي - وقضية مفاوضاته مع إسرائيل من أجل إتمام الانسحاب من سيناء».

    وكان الرئيس واضحاً في تحديد أولوياته، صريحاً في عرضه للمشاكل التي يواجهها في كل واحدة من تلك القضايا.

    ولقد طلب ما يريده في النهاية قائلاً:

    - «أريد فتح صفحة جديدة في تاريخ مصر».

    - «أريد حواراً مفتوحاً مع كل القوي الوطنية».

    - «أعطوني وقتاً كافياً حتي أفكر في خياراتي».

    وقد أجبناه جميعاً -وكنت بينهم- بنعم.

    وسألوني:

    - «وهل عرض عليك شيئاً».

    وأجبت:

    - «لم يعرض شيئاً، وأريد أن أقول لكم - هذه اللحظة وعلي الفور - إنني لست طرفاً في لعبة السياسة المصرية، ولا طرفاً في لعبة الصحافة المصرية، وليس هذا موقفاً جديداً، وإنما هو موقف قديم اتخذته منذ سنة ١٩٧٥، حين عرض علي الرئيس «السادات» - يرحمه الله- عدة مناصب في الدولة - بينها منصب نائب للوزراء أو منصب مستشاره للأمن القومي - إلي جانب عدة مناصب في الصحافة - بينها العودة إلي الأهرام - شريطة أن «ألتزم»، وكان ردي هو الاعتذار عن مناصب الدولة لأنها خارج مهنتي، وقد قبلت بمنصب الوزير مرة واحدة ولمدة محددة في ظرف استثنائي، وأما عن الصحافة فقد كان ردي أنني لا أستطيع الالتزام إلا بما أقتنع به، ولم أغير رأيي من يومها، وحتي اليوم.

    وفي كل الأحوال فإن الرئيس لم يعرض علي شيئاً، ثم إنني -من جانبي- لست علي استعداد لشيء».

    وسألوني أيضاً:

    - «وما الذي تنوي عمله؟».

    وأجبت:

    - «سوف أواصل ما كنت أفعله قبل السجن، أعيش في مصر وليس خارجها، وأكتب وأنشر كتبي في العالم (حتي وإن لم تنشر في وطني!)، وعندما كنت في السجن فقد خطرت لي فكرة كتاب جديد اخترت عنوانه فعلاً داخل الزنزانة وهو: «خريف الغضب»، وفيما عدا ذلك فإنني بالطبع لا أنوي مقاطعة الشأن العام، وأؤثر أن أتخذ لنفسي موضع وموقع المراقب المهتم، وهذا كل شيء».

    وسألوني أخيراً:

    - «ألم تتحدث برأي أثناء اجتماعكم بالرئيس؟».

    وأجبت:

    - «لقد اتفقنا ونحن في الطريق من السجن إلي قصر الرئاسة أن يتحدث عنا واحد منا فقط، ووقع اختيارنا علي الأستاذ «فؤاد سراج الدين»، باعتباره الأكبر سناً والأسبق عهداً بالعمل السياسي، وبالفعل فإنه هو الذي تولي الرد بالنيابة عنا فيما سمعناه من الرئيس».

    وصحيح أن الرئيس تفضل في لحظة فنظر إلي وبادرت القول:

    «إن مجرد حدوث هذا الاجتماع -وفي هذا المكان- أهم من أي كلام يقال».

    ولم أزد.

    ثم أضفت من عندي للسائلين:

    - «إنني أحسست بإخلاصه فيما قال، وأنني أؤيده فيما طلب منا».

    وأتاحت لي الظروف بعد ذلك -يا سيادة الرئيس- أن أسافر إلي لندن لعمل يتصل بنشر كتابي الذي جاءتني فكرته في السجن، ووجدت عنوانه في الزنزانة «خريف الغضب»، وفي لندن فتحت لي صحف الغرب وصحف العرب مساحاتها كما أشاء، وكنت أشعر أن ذلك دين في عنقي أؤديه إلي الذين وقفوا بجواري وحملوا قضيتي أثناء غيابي الإجباري عن الساحة، وتحدثت، وفي كل ما قلت هناك لم أخرج علي حدود ما سبق أن قلت هنا، وإن كنت توسعت -إلي حد ما - في التفاصيل. وحين عُدت من لندن وجدت حملة علي بسبب بعض ما قلت وبعض ما لم أقل، واكتفيت برسالة توضيح بعثت بها إلي «المصور».

    قلت كلمتي ومشيت!

    * * *

    وانقضي عام كامل - يا سيادة الرئيس.

    لم أتخل عن صمت فرضته علي نفسي - ولم أتخل في نفس الوقت عن اهتمام بالشأن العام يفرضه علي الواجب أولاً كمواطن، وثانياً -بعدها- كمواطن أتاحت له الظروف لسنوات طويلة أن يكون في صميم العمل الوطني والقومي، وبالقرب من القمة التي يصنع عندها القرار.

    وكذلك تفرغت بالكامل لكتابي الجديد، وكنت أرفع رأسي بين فترة وأخري مما أنا منكب عليه، ثم أتلفت علي المسرح حولي وأتابع ما يدور في الوسط وفي الأطراف ووراء الكواليس وحتي وراء الحدود، ثم أصغي إلي الأصوات، وأتتبع الإشارات والإيماءات، والأضواء والألوان - أحاول أن أتأمل وأفهم وأستوعب...!

    كانت الأحداث تسابق بعضها وأنا ساكت منتظر، وكانت المواقف تتغير وأنا ملتزم بمكاني وشاغلي.

    كان تأييدي لكم هو آخر ما قلته قبل الصمت، وآخر ما وقفت عليه عندما آثرت السكوت.

    وظل ذلك محسوباً علي وأنا قابل ومقتنع، ومازلت قابلاً ومقتنعاً حتي هذه اللحظة، ومن هنا -بالقطع- دواعي هذا الخطاب الذي أوجهه الآن مفتوحاً إليكم.

    * * *

    سيادة الرئيس

    سؤالان لابد من الإجابة عليهما -أولاً- دفعاً لأي تأويل أو ظن.

    أولهما: لماذا اتخذت لنفسي موقف الصمت والانتظار عاماً كاملاً؟

    والثاني: لماذا أيدتك ومازلت أؤيدك حتي هذه اللحظة؟

    إذا أذنتم لي -يا سيادة الرئيس- أن أحاول جواباً علي السؤال الأول، فإني سوف أختار أسلوباً يخرج علي المألوف، باستعمال النفي وصولاً إلي التأكيد، أي أنني سوف أركز علي ما لم يكن من أسبابي كي تظهر دواعي إلي اتخاذ موقف الصمت:

    ١- لم يكن من أسبابي للصمت أنكم تفضلتم بالإفراج عني، والحقيقة -وبدون تجاوز- أنني لا أعتبر ذلك ديناً علي لكم، فقرار الإفراج لم يختصني وحدي وإنما شمل الجميع غيري، ولم يكن عفواً خاصاً وإنما كان قرار سياسة عامة لها مقتضياتها التي تتعدي رغبات الأطراف.

    ولكي أكون صريحاً إلي أبعد مدي، فإن هذا القرار لم يستفد به طرف واحد من أطراف العلاقة فيه، وإنما استفاد الطرفان.

    صحيح أن القرار أعاد للمُفرج عنهم حقهم فيما فرض عليهم -لكنه من الصحيح أيضاً أن نفس القرار أعاد لسلطة الحكم نصيباً من شرعية ضيعتها بسلسلة من السياسات والإجراءات، آخرها مأساة «ثورة ٥ سبتمبر».

    إن شرعية النظم التي تعيش في ظلها معظم دول العالم الثالث لا تحققها -يا سيادة الرئيس- نتائج الاستفتاءات، لأن نتائج الاستفتاءات -علي افتراض صدقها- هي في الواقع شهادة صلاحية بدخول امتحان، ويجيء امتحان أي نظام بما يستطيع تحقيقه من منجزات تستحق القبول العام، وعندها تتبدي شرعية النظم.

    وفي العالم الثالث عادة -وحيث لا مؤسسات بسبب تعثر نمو القوي الاجتماعية التي هي البناء التحتي لقيام المؤسسات- فإن رجلاً واحداً -في الغالب ولسوء الحظ- يملك سلطة القرار، وهذا الرجل الواحد يجيء أحياناً بزلزال ثورة أو حادثة، أو بذهاب رجل سبقه.

    علي أن الوصول إلي قمة السلطة ليس شرطاً كافياً للشرعية، وإنما لابد لهذه السلطة أن تستجيب لحركة التاريخ، وتكون منجزاتها العملية بهذه الاستجابة أساس شرعيتها، مع ملاحظة أن شرعية رجل واحد ليست قابلة للإرث بواسطة رجل يليه علي كرسي الحكم. وهنا يصبح علي كل رجل جديد -وحتي تنمو القوي الاجتماعية في الوطن وتفتح طرقاً طبيعية، دستورية وقانونية للتطور والتقدم- أن يقدم الرجل الجديد موضوع -وليس مجرد شكل- شرعيته، وأن يؤكد هذه الشرعية بسياساته هو وليس بسياسات سواه.

    أقصد أن أقول -يا سيادة الرئيس- إن قراركم بالإفراج عن المعتقلين كان واحداً من أسباب الموضوع في التقديم لشرعية حكمكم وتأكيد هذه الشرعية، مع أننا -الذين أفرج عنهم- استفدنا منه شخصياً.

    أي أن العلاقة بين الأطراف متكافئة: لا ديون لأحد علي أحد، ولا كمبيالات، ولا شيكات بغير رصيد علي طريقة هذه الأيام!

    ٢- لم يكن من أسبابي للصمت أيضاً أنكم الآن في الحكم وفي موضع القرار. ولقد سمعتكم بنفسي تقولون إنكم «لم تفكروا في رياسة الجمهورية ولم تسعوا إليها»، وأعرف أكثر من غيري أنه الصدق والحق. فلقد فرضت الظروف عليكم تبعات المنصب ومسؤولياته في أوقات يعلم الله فيها هموم الرئاسة وأثقالها. ومن ناحية أخري -ودون أن أتجاوز حدي أو قدري- فأنا واحد من ناس ليس لديهم ما يطلبونه من حاكم.

    ولقد كنت أقول -ومازلت- ومرة أخري دون تجاوز -إن أي حاكم في مصر يملك في شأني قراراً واحداً هو اعتقالي إذا شاء، لكنه لن تكون لديه -عدلاً- مبررات لمثل هذا القرار، فأنا لم أخرج دقيقة واحدة في ممارستي لعملي العام علي حدود مهنة الصحفي دون خطوة واحدة بالزيادة، أو خطوة واحدة بالنقصان (فيما أتمني!).

    ثم إنني -وقد أثبتت الظروف عملياً- لا أريد أن أكون ضمن طراز معين من الصحفيين.

    لا أريد أن أكون ضمن هؤلاء الذين تنحني هاماتهم أمام الحكام في قصورهم، وترتفع هاماتهم أمام الحكام في قبورهم!

    ٣- لم يكن من أسبابي -كذلك- أنني أصبحت أخاف بعد أن دخلت السجن لأول مرة في حياتي، فقد كنت أدرك منذ بداية اشتغالي بالمهنة أن السجن -وربما أسوأ- قدر يتربص بأي صاحب رأي في العالم الثالث. فصاحب الرأي في بلدان هذا العالم وحيد في مواجهة السلطة، وليس هناك من يجيره: لا قبيلة ولا مدينة - ولا أمير ولا خفير - ولا حدود أو سدود - أي أنه بدون كل أنواع الحمايات التي كانت توفرها حتي عصور البداوة والإقطاع في الماضي، أو عصور الدستور والقانون حيث تهيأت الظروف - فعلاً لا مجرد قول- لسيادتهما.

    وفي خلافي مع الرئيس «السادات» بسبب اتفاق فك الاشتباك الأول، ثم تصاعد هذا الخلاف بعد فك الاشتباك الثاني، ثم وصول هذا الخلاف إلي الذروة بعد مبادرة القدس - فإن احتمال الاعتقال كان وارداً باستمرار، ونُصِحْت عشرات المرات أن أترك مصر وأعيش خارجها ولو لبعض الوقت، ولكني شكرت للناصحين حرصهم وبقيت في مصر حتي أغلقت علي بوابات السجن.

    ولم أخف من السجن وكان بالنسبة لي عالماً غامضاً، وربما قلت الآن إن التجربة عرفتني بهذا العالم الغامض وأجوائه الموحشة، وفي كل الأحوال فلقد اعتقدت دائماً أن هناك ترفاً واحداً ووحيداً لا يستطيع أي صاحب رأي أن يسمح به لنفسه، وهو ترف الخوف.

    وهكذا فإن داعي الخوف -علي فرض أن هناك ما يدعو إليه- لم يكن من أسبابي للصمت.

    ٤- وربما سمحت لنفسي أن أضيف سبباً آخر من دواعي الصمت.

    لقد كنت طرفاً في صدام طويل وعنيف مع الرئيس «السادات»، وكانت جبهة هذا الصدام واسعة تمتد إلي خياراته الداخلية والعربية والدولية بعد حرب أكتوبر، ولقد قلت رأيي فيها جميعاً، وفي حضوره، وأمام سلطته.

    وقد انتهي هذا الصدام بوضعي في السجن، ثم ـ لسوء الحظ ـ باغتياله.

    وتصورت أنني أحتاج إلي استعادة كل ما حدث ومراجعته.

    ثم تصورت أن القفز من الأبواب الواسعة التي تفتحت للكلام قد يبدو تزيداً يستحسن تجنبه.

    وتصورت أيضاً أن كلاماً كثيراً أقوله بعد الخروج من السجن قد يؤخذ مشوباً بمظنة تحامل، أو شهوة لتصفية الحسابات!

    ومن ناحية أخري فقد كنت واثقاً أن مر الأيام والحوادث سوف يضع كل شيء وكل رجل أمام امتحان الحقيقة، وساعتها يكون الكلم في موضعه وبمنأي عن الظنون والشهوات.

    ولقد لفت صمتي أنظار كثيرين، وتكرر علي سمعي سؤالهم عن بواعثه، وشاء بعضهم ـ بحسن نية ـ أن يجد تفسيراً يرضيه، فسألوني:

    - هل يمكن أن يكون هذا الصمت في حد ذاته إعلان موقف؟

    ـ وكان ردي أنني ـ بالطبيعة وبالمهنة ـ لا أستطيع إعلان موقف بأسلوب الصمت، لأن «الكلمة» ببساطة هي حياتي وعملي، وأنا أحاول أن أقولها موضوعية قدر ما أستطيع، وأحاول أيضاً أن أقولها بأسلوب لا يفتعل الحماسة ولا ينازل طواحين الهواء، عارفاً علي أي حال أن كل كلمة تحترم قارئها أو سامعها ـ لها إمكانية تأثير.

    وإذن، فإن الصمت لم يكن موقفاً أعلنه ـ أو أخفيه ـ أياً كانت الظروف




    لقد شرحت أمامكم سيادة الرئيس ما لم يكن بين أسبابي لاتخاذ موقف الصمت، ولعله من المناسب الآن ـ منطقياً ـ أن أحاول الرد علي السؤال الثاني الذي طرحته من قبل وهو: «لماذا أيدتك، وتركت هذا التأييد قائماً ـ صراحة وضمنا ـ حتي هذه اللحظة»؟

    ـ أستأذنكم مرة أخري في شرح أسبابي، وأكثر من ذلك ـ هذه المرة ـ أرجوكم ـ أن تفسحوا لي صدركم وصبركم، لأني أريد وضع بعض النقاط علي بعض الحروف حتي لا يكون هناك التباس تتشابك وتختلط به الأمور.

    ١ ـ إنني ـ يا سيادة الرئيس ـ تابعت سجلكم في الخدمة العامة بأقرب مما يخطر لكثيرين.

    وأقول ـ والله شاهد ـ كما أن هناك شهوداً من البشر أحياء ـ إني كنت موجوداً في مكتب «جمال عبدالناصر» حينما وقع الاختيار عليكم لرئاسة أركان حرب سلاح الطيران في الأوقات العصيبة من حرب الاستنزاف، والاستعداد بعدها لعبور قناة السويس بالقوة المسلحة طبقاً لخطة «جرانيت (١)».

    ولقد رأيت بنفسي وسمعت ـ كصديق مقرَّب ـ كيف استقر رأي «جمال عبدالناصر» عليكم لهذه المهمة في تلك الأوقات، وكان ذلك بناء علي ما ورد في التقرير السري بملف خدمتكم بأوصاف ـ «وطني ـ كفء ـ لديه ملكة القيادة».

    ثم كان لي بعد ذلك شرف الاشتراك في مناقشة الخطة العامة للعمليات. فقد شاءت المصادفات أن أكون وزيراً للإرشاد القومي وقتها، وأن أكون ـ بهذه الصفة ـ عضواً في مجلس الأمن القومي، وكان «جمال عبدالناصر» يناقش مع هذا المجلس مجتمعاً، ومع بعض أعضائه فرادي ـ كثيراً من مشاكله وشواغله.

    وفوق ذلك فقد كانت لدينا في الأهرام ـ تلك الأيام الخوالي ـ وحدة عسكرية ضمن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ضمت صفوة من خيرة العسكريين المصريين، وكانت هذه الوحدة التي رأسها اللواء «حسن البدري» الذي كان مؤرخاً رسمياً للجيش المصري ـ وكما هو الحال في مثيلاتها في أي بلد يقدِّر العلم ـ طرفاً محاوراً في المناقشات الدائرة حول الخطوط الرئيسية لاحتمالات العمل المسلح وإمكانياته.

    وكان دور الطيران ـ بالطبع ـ نقطة مهمة في المناقشات الرسمية وغير الرسمية التي امتدت وتشعبت شهوراً طويلة وسنوات.

    وعندما جاءت لحظة الحق بمعارك أكتوبر، فإنني رُحت أتابع في الواقع كل ما كنا نتحدث عنه بالتصور، وقد وُضع للاختبار تحت لهب النار.

    وربما تذكرون ـ يا سيادة الرئيس ـ أنني أثناء تلك المعارك كتبت مقالاً رويت فيه طرفاً من حوار دار بينكم وبين طيار إسرائيلي أسير سقطت طائرته، وأنتم هناك في قاعدة المنصورة تراقبون وقائع غارة جوية.

    وجاءوا بالطيار الأسير أمامكم، وكانت لكم ملاحظات علي الطريقة التي تصرف بها إزاء الدفاعات الجوية المصرية، وقلتم له:

    - ماذا جري لكم هذه المرة، إنكم تغيرتم؟

    ورد الطيار الإسرائيلي عليكم:

    ـ نحن لم نتغير يا سيدي، ولكنكم أنتم الذين تغيرتم!

    كان الرئيس «السادات» نفسه هو الذي نقل إلي الواقعة، وكان هو الذي نقل إلي فيما بعد دهشتكم للطريقة التي وصل بها هذا الحوار إلي وبهذه السرعة، فنشرته ضمن مقالي الأسبوعي.

    تذكرون ذلك ـ يا سيادة الرئيس ـ وأنا أيضاً أذكره.

    أذكره لكي أدلل فقط علي أنني كنت أتابع عن كثب سجل «وطني ـ كفء ـ لديه ملكة القيادة».

    ٢ ـ إن التاريخ كان كريماً معي ـ يا سيادة الرئيس ـ عندما أتاح لي فرصا كثيرة رأيت فيها لمحات من وقائعه وهي لاتزال بعد في مرحلة الخلق الأولي.

    ومن هذه الوقائع علي سبيل المثال، واقعة اختياركم لمنصب نائب رئيس الجمهورية.

    تذكرون ـ ياسيادة الرئيس ـ أنني كنت قريباً من الرئيس «السادات» حتي اختلفنا بسبب فك الاشتباك الأول، فافترقنا وحلت بيننا قطيعة، تفضل هو وأنهاها بعد سبعة أشهر ـ أي في أكتوبر ١٩٧٤، وعُدت قريباً منه حتي وقع فك الارتباط الثاني في صيف ١٩٧٥، فكان فراقنا شبه النهائي!

    وبالتالي فإنني كنت هناك ـ يا سيادة الرئيس ـ خلال تلك الشهور الحاسمة من ربيع سنة ١٩٧٥.

    كنت هناك في الداخل شاهداً علي عملية صنع القرار.

    ولو أذنتم لي ـ يا سيادة الرئيس ـ فإنني أريد أن أروي لكم طرفاً من وقائع تلك الأيام، ولعلي أتجاسر ـ دون تجاوز ـ فأقول إن بعضه قد يكون جديداً عليكم، لكنني قبل أن أرويه أريد أن أقول لكم بإخلاص عبارة تبدو سابقة لموضعها، وأظن أن مغزاها الحقيقي لا يتضح بكامل أبعاده إلا في الختام، وليس في السبق والتقديم، وهذه العبارة هي:

    «سيادة الرئيس، إنك لست مديناً لأحد، لقد أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون دائماً».

    وإذا بدت لكم هذه العبارة في هذا الموضع من الحديث لغزاً، فلعلي أطمح أن يتسع صبركم وصدركم لصفحة من تاريخ مصر وثيقة الصلة بكم أعرض عليكم تفاصيلها.

    في بداية سنة ١٩٧٥، كان الرئيس «السادات» يري بوادر أزمة تتجمع سحبها من حول نظامه.

    كانت إسرائيل تعاند معه بعد فك الارتباط الأول وتلح عليه لتنفيذ تعهدات قطعها علي نفسه أثناء المحادثات السرية لفك الاشتباك الأول، ولم يكن هو بعد مستعداً للتنفيذ «وهذه حكاية سوف تكشف الأيام كثيراً من خباياها، وإن لم يكن هذا هو الوقت المناسب لها الآن».

    وكان الرئيس «السادات» أيضاً يواجه موقفاً صعباً في العالم العربي، لأن توقيعه منفرداً علي فك اشتباك للقوات علي الجبهة المصرية وحدها، أثار من حول تصرفاته شكوكاً راح جاهداً يحاول إسكاتها. وزاد الموقف العربي تعقيداً لأن «هنري كيسنجر» لم يقترب من الجبهة الأردنية بتحرك من أي نوع، ثم إن العقد استحكمت حين وافق مؤتمر القمة في الرباط ـ أكتوبر ١٩٧٤ ـ علي اعتبار منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.

    وفي داخل مصر، فقد بدأ شعور بالتململ يطفو علي السطح، تعبيراً عما كان يدور في الأعماق.

    كانت الحرب قد جاءت وانتهت، وحل فض الاشتباك الأول وتم توقيعه، وزار الرئيس الأمريكي «ريتشارد نيكسون» مصر، فلقي فيها استقبال أبطال، وعاد إلي أمريكا ليخرج مطروداً من البيت الأبيض، وبدأت سياسة الانفتاح ونشطت، لكن الآمال التي تعلقت بهذا كله علي مستوي المواطن المصري لم تتحقق، بل علي العكس فقد بدا أن ظروف الحياة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.

    وحدثت اضطرابات واعتصامات في المصانع، ثم خرجت مظاهرات إلي الشوارع كان بعضها نذيراً، كما أن بعضها بدا غريباً، ومن ذلك أن إحدي المظاهرات مثلاً كانت موجهة إلي رئيس الوزراء في ذلك الوقت ـ الدكتور «عبدالعزيز حجازي» ـ وكان الهتاف الذي رددته هو «حكم النازي ولا حكم حجازي»، وكان التشبيه لافتاً للنظر، فلم يكن منطوقه مما يخطر تلقائياً علي بال متظاهر مصري عادي. وبدأ رئيس الوزراء ـ وله الحق ـ يشك أن هناك من يوجه هذه المظاهرات لغرض لديه وهدف.

    وكان الواضح أن النظام يواجه حالة شبه انكشاف من خارجه،كما أنه يواجه شبه انشقاق من داخله!

    وكان الرئيس «السادات» يتابع هذا كله بمهاراته الخاصة التي اكتسبها من تجربته الذاتية، وكانت له ـ يرحمه الله ـ طريقة تفرد بها في حساب الأمور وتقديرها والتصرف حيالها!

    وقابلته في استراحة القناطر يوم الثلاثاء ٢٥ فبراير «١٩٧٥»، وكان قد فرغ لتوه من اجتماع مع رئيس وزرائه الدكتور «عبدالعزيز حجازي» الذي كان عائداً من زيارة رسمية للندن، ووجدت «السادات» في حالة «ضيق شديد» «هكذا سجلت يومها في أوراقي».

    وقادنا الحديث إلي الظروف الداخلية، وتكلم هو وتكلمت، وكان بين ما قاله: «هناك من يتآمرون علي النظام، هناك مؤامرة واسعة».

    واستطرد الرئيس «السادات» قائلاً:

    (إنني استدعيت «سيد مرعي» «رئيس مجلس الشعب وقتها ـ قابله يوم ١٨ فبراير»، وكان «سيد» متخوفاً «هناك مجموعة في مجلس الشعب «انفلت عيارها»).

    واستدعيت بعده «ممدوح سالم» «نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية وقتها ـ قابله يوم ١٩ فبراير»، وممدوح يري أن الحالة سيئة لأن الوزارة لا تعمل شيئاً.

    واليوم قابلت «حجازي» «رئيس الوزراء ـ المقابلة يوم ٢٥ فبراير»، وحجازي يقول إن الوزارة تعمل، ولكن هناك من يضعون العراقيل أمامها.

    وعندما جاء دوري للكلام اقترحت علي الرئيس «السادات» أن يعقد اجتماعات لكل أركان النظام، ويناقش معهم «علي المائدة» أسباب الأزمة، ويحاول التعرف علي الحقائق في حضورهم جميعاً بدلاً من مقابلة كل طرف علي حدة، فمقابلة كل طرف علي حدة لا تسفر إلا عن شكوي، أما اجتماع الكل «حول مائدة» فهو مناقشة يؤدي حوارها ـ ربما ـ إلي حلول، أو علي الأقل إلي حقائق بدلاً من الشكاوي.

    وأخذ الرئيس ـ مشكوراً ـ باقتراحي، ودعا الكل إلي اجتماع صباح يوم السبت أول مارس ١٩٧٥ ـ ثم دعاني إلي لقائه مساء نفس اليوم في استراحة القناطر «ونقلا عن أوراقي» بادرني بقوله: «ياه يا محمد»، لقد كنت جالساً علي بركان وأنا لا أشعر، واليوم فجرت الموقف، وفوجئت بهم جميعاً «تركبهم» العقد، إن حجازي شبط في ممدوح وكانت «حوسة»!

    وراح يروي لي بعد ذلك تفاصيل الاجتماع، ثم قال:

    إن «حجازي» يؤكد أن الموقف (الاقتصادي) طيب، وقد ذكر أنه سوف يكتب تقريراً عن الصورة العامة بتفاصيلها، ويقدمه لي في ظرف أسبوعين، وقد أجلنا استكمال المناقشة حتي يعد تقريره.

    وبعد خمسة عشر يوماً بالضبط أنجز الدكتور «عبد العزيز حجازي» ما وعد، فسافر إلي أسوان، لو كان الرئيس «السادات» قد ذهب إليها لاستكمال مفاوضاته مع «كيسنجر» (بهدف الوصول إلي اتفاق ثان لفض الاشتباك علي الجبهة المصرية)، وهناك قدم الدكتور «عبدالعزيز حجازي» تقريره المنتظر إلي رئيس الجمهورية (كان لقاؤهما يوم ١٥ مارس).

    وفي يوم ١٩ مارس استدعاني الرئيس «السادات» إلي أسوان ولقيته في الساعة الحادية عشرة صباح يوم ٢٠ (مارس) في استراحته في أسوان، وكان مهموماً، لأن محادثاته مع الإسرائيليين عن طريق «كيسنجر» تمر بمرحلة حرجة بسبب تعنُّت «جولدا مائير» حتي مع «كيسنجر».

    ورُحت أطمئنه إلي أن احتمال فشل محادثاته مع «كيسنجر» ليس فيه ما يدعو إلي الأسي، وكان بين ما قلته له:

    ـ «أنت أقوي بغير اتفاق، منك باتفاق سييء».

    وسألني:

    * «وماذا نقول للناس، وقد وعدت مجلس الشعب بأن أتحدث إلي أعضائه عن نتائج المحادثات؟»

    وقلت له علي الفور:

    ـ لا تحمل لذلك همَّاً، وإذا أردت فإنني علي استعداد لكتابة خطابك أمام مجلس الشعب».

    واتفقنا علي معظم نقاط هذا الخطاب، ثم اختلفنا علي نقطة واحدة وهي التردد بين فتح قناة السويس أو استمرار إغلاقها، وكان رأيي فتحها للملاحة لعدة أسباب شرحتها، بينما كان رأيه استمرار إغلاقها لأن «إخواننا» العرب قد يسيئون معني فتحها الآن!

    وقلت له: «إن فتحها مع فشل المحادثات، وبقرار مصري منفرد، خير ألف مرة من فتحها نتيجة لاتفاق يحمل ضمناً موافقة أطراف أخري».

    وانتقل فجأة إلي الموضوع الآخر ـ أي الشأن الداخلي، قائلاً:

    - «حجازي جاء إلي هنا وقدم لي تقريره، لم أقرأه، خذه أنت واقرأه، ثم قل لي أهم ما فيه».

    (وأخذت تقرير الدكتور «حجازي» بمقدمته المكتوبة بخط يده، ولايزال ضمن أوراقي حتي هذه اللحظة، ولم يسألني عنه الرئيس «السادات» فيما بعد، رغم أنه من أهم وثائق تلك المرحلة).

    ومرة ثالثة انتقل الرئيس «السادات» إلي موضوع آخر، وهو الاعتصامات التي قام بها العمال في مصانع المحلة الكبري، وكان ظنه أن «الشيوعيين» وراء هذه العملية، وأن تنظيمها يحمل بصماتهم، وكان لي رأي مختلف شرحته له.

    وعُدت إلي القاهرة يوم ٢١ مارس منشغلاً بإعداد مشروع خطاب الرئيس أمام مجلس الشعب، واتصل بي الرئيس من أسوان يقول لي إن «كيسنجر» لن يعود إلي مصر، وذلك معناه فشل المحادثات. ثم سألني «عن المدي الذي وصلت إليه في إعداد خطابه». وقلت «إن الخطاب جاهز، وإنني كتبته علي أساس إعادة فتح قناة السويس وليس علي أساس استمرار إغلاقها، وأنني فكرت طويلاً في الموضوع، وازددت اقتناعًا برأيي، وسوف أشرح له وجهة نظري حين يجيء إلي القاهرة».

    وفي اليوم التالي اتصل بي ليقول: «إن عاصفة رملية هبت علي أسوان وعاقت قيام طائرته».

    وفي صباح ٢٤ مارس توجَّهْت إلي مقابلة الرئيس «السادات» في استراحة القناطر التي قصد إليها مباشرة بعد عودته من أسوان، وتناقشنا طويلاً في كل الأوضاع.

    وفي مساء ٢٥ مارس كنت معه مرة أخري ضيف عشاء في استراحة القناطر أقرأ عليه - بحضور المهندس «سيد مرعي» - مشروعي الكامل لخطابه أمام مجلس الشعب. وكان لايزال مترددًا في اقتراح فتح قناة السويس، لكنه بدا مأخوذاً باستعداده للسفر في اليوم التالي إلي الرياض لتقديم العزاء في وفاة الملك «فيصل» (الذي اغتاله أحد أبناء أخ له)، وتقديم التهنئة للملك «خالد» (الذي خلف «فيصل» علي عرش السعودية). وغادرت استراحة القناطر بعد منتصف الليل مع المهندس «سيد مرعي»، الذي راح يسأني طوال الطريق إلي القاهرة عن سبب إصراري علي فكرة فتح قناة السويس، وتأثير ذلك ونتائجه، قلت لسيد مرعي:

    «عدا كل ما ذكرت أمامك وأمامه من أسباب فإني أشعر أن الرئيس يتعجل اتفاقًا ثانيا لفك الارتباط مع إسرائيل، وحجته استعادة دخل بترول سيناء، لكنه بهذا الاقتراح الذي طرحته عليه يستطيع فتح القناة، والحصول علي إيراداتها بقرار مصري مستقل ومنفرد

     

     

     


     
    رد مع اقتباس


    Latest Threads By This Member
    Thread Forum Last Poster Replies Views Last Post
    السودان يكشف للمرة الأولى سبب رفع مذكرة إلى مجلس... توعية جماهيرية د. يحي الشاعر 0 26 3rd June 2020 07:50 AM
    اقتراح كويتي يهدد آلاف المصريين في الكويت شؤون عربية ودولية د. يحي الشاعر 0 82 28th May 2020 08:58 AM
    سجادة صلاة لمرة واحدة... منتج تركي يحظى بإقبال... توعية جماهيرية د. يحي الشاعر 0 103 27th May 2020 09:06 AM
    لجنة الخارجية بالكونغرس الأميريكي تمرر بصمت حُزمة... توعية جماهيرية د. يحي الشاعر 0 52 26th May 2020 08:36 AM
    لجنة الخارجية بالكونغرس الأميريكي تمرر بصمت حُزمة... فلسطين أرض الرباط د. يحي الشاعر 0 101 26th May 2020 08:35 AM

    إضافة رد

    مواقع النشر (المفضلة)


    أدوات الموضوع
    انواع عرض الموضوع

    الانتقال السريع

    المواضيع المتشابهه
    الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
    (4) حول اتفاقية سيناء ، بقلم محمد حسنين هيكل د. يحي الشاعر إتفاقية كامب ديفيد 3 30th March 2019 04:12 PM
    إسرائيل فى إفريقيا .... بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل د. يحي الشاعر شهود على العصر 5 31st May 2013 07:30 PM
    جيهان السادات تهاجم محمد حسنين هيكل د. يحي الشاعر شهود على العصر 2 31st October 2010 01:59 PM
    المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزء الثاني د. يحي الشاعر شهود على العصر 2 18th October 2008 02:33 PM
    المقالات المحجوبة لــ محمد حسنين هيكل كاملة - الجزء الثالث د. يحي الشاعر شهود على العصر 0 18th October 2008 02:06 PM

    Currency Calculator
    RSS RSS 2.0 XML MAP HTML


    Powered by vBulletin® Version 3.8.8
    .Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
    (جميع الأراء والمواضيع المنشورة تعبِّر عن رأي صاحبها وليس بالضرورة عن رأي إدارة منتديات المطاريد)
    SSL Certificate   DMCA.com Protection Status   Copyright  
    منتديات المطاريد   Follow us on Google   لشراء مساحة إعلانية بالمطاريد  

    تنبيه هام

     يمنع منعاً باتاً نشر أى موضوعات أو مشاركات على صفحات منتديات المطاريد تحتوى على إنتهاك لحقوق الملكية الفكرية للآخرين أو نشر برامج محمية بحكم القانون ونرجو من الجميع التواصل مع إدارة المنتدى للتبليغ عن تلك الموضوعات والمشاركات إن وجدت من خلال البريد الالكترونى التالى [email protected] وسوف يتم حذف الموضوعات والمشاركات المخالفة تباعاً.

      كذلك تحذر إدارة المنتدى من أى تعاقدات مالية أو تجارية تتم بين الأعضاء وتخلى مسؤوليتها بالكامل من أى عواقب قد تنجم عنها وتنبه إلى عدم جواز نشر أى مواد تتضمن إعلانات تجارية أو الترويج لمواقع عربية أو أجنبية بدون الحصول على إذن مسبق من إدارة المنتدى كما ورد بقواعد المشاركة.

     إن مشرفي وإداريي منتديات المطاريد بالرغم من محاولتهم المستمرة منع جميع المخالفات إلا أنه ليس بوسعهم إستعراض جميع المشاركات المدرجة ولا يتحمل المنتدى أي مسؤولية قانونية عن محتوى تلك المشاركات وإن وجدت اى مخالفات يُرجى التواصل مع ادارة الموقع لإتخاذ اللازم إما بالتبليغ عن مشاركة مخالفة أو بالتراسل مع الإدارة عن طريق البريد الالكترونى التالى [email protected]